هذه الأسباب ، ثم الإجابة عنها بما يكفي ويشفى ..
فقال - رحمه الله - فِي كتابه العظيم (دلائل النظام) :
.. لا شك أن الذين ذهبوا إلى نفي النظام * لم يذهبوا إليه إلا لأسباب اضطرتهم إليه . فلنذكر بعض تلك الأسباب ، لتعرف عذرهم ، وتبقى على حسن ظنك بهم ، ولتخرج من محض التقليد إلى مطمئن الحق ، فإن الأذكياء والحكماء لايذهبون إلى رأي نُكْرٍ ، إلا فراراً مما هو أشد نكارةً . فمن لم يعرف ذلك ، إما أساء بهم الظن ، وسدَّ على نفسه الانتفاع بهم . أو قلدهم فِي أمرٍ ظاهر الفساد ؛ فعمى وتصامم عن الاستماع لكل دليل واضح ؛ فإن إساءة الظن إلى دلائلك ، أهون عليه (أي مثل هذا المقلِّد) من إساءة الظن بأولئك الأكابر ! وإن نقلت عن بعض الأكابر ما يوافق الحق ؛ اشتبه عليه الأمر ، وربما اتبع ما عليه الأكثرون.
فلذلك ؛ احتجنا إلى ذكر بعض الأسباب المانعة عن الإيقان بالنظام ، مع وضوح دلائله.. فنقول ، وبالله التوفيق:
الأول ، وهو أقوى الأسباب: تبرئة كلام الله عن كل عيب وشين . ولا شك أنه ظاهر النظام والترتيب فِي كثير من المواضع ، ولكنهم (أي منكري النظام) لو ادَّعوا أنه كلَّه منظم ، والنظم مرعيُّ فيه ؛ لاضطروا فِي مواضع إلى
*للفراهي نظرية خاصة فِي إدراك التناسب والترابط بين آيات الكتاب العزيز وسوره سَّماها (النظام) ، وقد عُني فيها بإثبات النسب والروابط بين آيات القرآن وسوره ، عن طريق تحديد ما سماه (عمود) كل سورة ، وهو يقرِّر أنه شيء فوق مجرد إدراك التناسب كما كتب فيه الكاتبون من قبل .. وعلى كلٍّ ؛ فكلامه فِي ذلك نفيس لم يسبق إليه ، وسوف نعرض له بالتفصيل لاحقاً بمشيئة الله تعالى .