حكم على ما سُئل ، وإذا رجع إلى التلاوة ، لم يتلُ كما أفتى ، ولا كما نزل مفرقاً .. بل كما أُنزل جملةً إلى بيت العزة .. )) .. ثم قال الزركشي معقباً: (( وهو مبنيٌّ على أن ترتيب السور توقيفي ، وهذا الراجحُ كما سيأتي ) ) (1) .
وهذا أمر واضح جداً ، ولا أدري كيف خفَي على مثل الإمام العظيم - وهو مَنْ هو: علماً وتحقيقاً ، وعقلاً وذكاءً - ؟ ! كيف غاب عنه أن القرآن المجيد كلامُ الله ، وأنه قديمٌ قدمَه - سبحانه - ، لأنه صفة من صفاته .. فكيف يصح ألاَّ يكون على غاية التنسيق ، وإحكام الاتصال ؟ !
إن القرآن الكريم هو الجملة الواحدة التي سبق بها علم الله سبحانه ، وأنزلها جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة فِي السماء الدنيا ، ثم ابتدأ نزوله منجماً بحسب الوقائع والأسباب ، والحوادث والدواعي ، على النبي الخاتم ، فِي ليلة القدر ، أولَ مبعثه - صلوات الله عليه وسلامه - ..
ولعل من أدقِّ ما قيل فِي هذا - بالإضافة إلى كلمة الشيخ ولي الله الملوى: (( إنها على حسب الوقائع تنْزيلاً ، وعلى حسب الحكمة ترتيباً ) )- كلمةَ الأستاذ الجليل الدكتور محمد عبدالله دراز - رحمة الله عليه - حيث قال فِي إيجاز مكثَّف: .. إن كانت بعد تنْزيلها (أي الآيات والسور) قد جُمعت عن تفريق ؛ فلقد كانت فِي تنْزيلها مفرَّقة عن جمع )) (2) . وكذلك كلمة الزركشي الجامعة المانعة فِي هذا الباب: .. بل عند التأمل يظهر أن القرآن كلَّه كالكلمة الواحدة )) (3) .
(1) البرهان ، 1/37 ، 38 .
(2) النبأ العظيم: نظرات جديدة فِي القرآن ، د . محمد عبدالله دراز ، دار الفكر - الكويت ، ط3/1988م ، ص 154 ، 155
(3) البرهان ، 1/39