فصل فِي لغة القرآن
قال العلامة مصطفى صادق الرافعي
الأصلُ فيمن نزل القرآن بلغتهم ، قريش ، وقد سلف لنا فِي مبحث اللغة كلام فِي معنى الإصلاح الذي خلصت به لغتُهم إلى التهذيب ، وكيف واروا بينهم فِي لغات العرب ممن كان
يجتمع إليهم من الحجيج أو ينزل بهم من العرب فِي كل موسم ومُتَسوق . وكان طبيعياً أن يكون
القرآن بلغة قريش ، لأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قُريشي ، ثم ليكون هذا الكلام زعيمَ اللغات كلها كما
استمازت قريش من العرب بجوار البيت ، وسقاية الحاج ، وعمارةِ المسجد الحرام ، وغيرها من خصائصهم ؛ وقد ألف العرب أمرهم ذلك واحتملوا عليه وأفردوهم به ، فلأن يألفوا مثلَه فِي كلام الله أؤلى .
وهذه حكمة بالغة فِي سياسة أولئك الجفاة وتألفهم وضم نشرهم ، فإن هذا القرآن لو لم يكن بلسان قريش ما اجتمع له العرب ألبتة ولو كانت بلاغته مما يميت ويحيي ، ثم كانواً لا يَعْدون في
اعتبارهم إياه أنه ضَرب من تلك الضروب التي كانت لهم من خوارق العادات ، كالسحر والكهانة
وما إليهما ، وهو الذي افترته قريش ليصرفوا به وجوه العرب ويميلوا رؤوسهم عن الإصغاء إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: ساحر ، وكاهن وشاعرَ ، ومجنون . وتقوَّلوا من أمثال ذلك يبتغون به أن يحدثوا
في قلوب الناس لهذا الأمر خفة الشأن ؛ وأن يهونوا عليهم منه بما هونته العادة ، وهم كانوا أعلم بعادات القوم وما يبلغ بهم ، حين قعدوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً .
وههنا أصل آخر ، وهو أن القرآن لو نزل بغير ما ألفَه النبي - صلى الله عليه وسلم - من اللغة القرشية وما اتصل بها ، كان ذلك مَغمزاً فيه ، إذ لا تستقيم لهم المقابلة حينئذ بين القرآن وأساليبه ، وبين ما يأثرونه من
كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهون ذلك على قريش ، ثم على العرب ، فيجدون لكل قبيلة مذهباً من القول فيه ،