فإما أن يكونَ باقياً ثابتاً ولا تعرفه الأمَّة ولا تقف عليه الأمّة ، ولا تقف عليه
من دين الرسول إلا عبدُ الله وحدَه ، فإئه باطلٌ بعيدٌ لما بيناه مِن قبلُ ، فيسقط
بما وصفناه من تعلقهم بهذه القصة.
فإن قالوا: أفليسَ قد روى ابنُ جُرَيج عن عطاءٍ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بأبي بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - وهو يُخافِتُ فِي قراءته ، ومر بعمرَ - رضي الله عنه - وهو يجهر ، وببلالٍ وهو يقرأ من هذه السورة ، ومن هذه السورة ، فقال:"كل ذلك حسن"أو نحوَه من الكلام ، وهذا إقرارٌ منه
لبلالِ على جوازِ خلطِ السُّور وإدخال بعضِها فِي بعض ، كما أنه إقرارٌ على
المخافتة والجهر.
يقال لهم: قد روى أبو عُبَيدِ عن الحجّاج عن اللّيث بن سعد عن
عمرَ مولى غُفْرةَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه مرَّ بأبي بكر وهو يُخافت ، ومر بعمرَ وهو يجهر ، ومرَّ ببلالِ وهو يقرأ من هذه السورة ، ومن هذه السورة ، فقال لأبي بكر: مررتُ بكَ وأنتَ تخافت ، فقال: إنّي أَسمعتُ من ناجَيتُ ، فقال: ارفع شيئا ، وقال لعمرَ: مررتُ بك وأنتَ تجهر ، فقال: أطردُ الشيطانَ وأُوقِظُ الوَسْنان ، فقال: اخفِض شيئا ، قال لبلال: مررتُ بك وأنت تقرأ من هذه السورة ، ومن هذه السورة فقال: أخلطُ الطيبَ بالطيِّب ، فقال: إذا قرأتَ السورةَ فأنفذها"، يعني - صلى الله عليه وسلم - اقرأها على وجهها إلى آخرها ، لا معنى لإنفاذها ها هنا إلا هذا."
فهذا أمرٌ منه لبلالٍ ولكل قارئٍ لسورةٍ بأن ينفِذَها ويقرأها على وجهها .
وهذه الروايةُ أظهرُ وأشهرُ من الرواية التي ذكروا فيها أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"كل ذلك حسن"، فوجبَ العملُ على التفضيل والتفسير الذي وردت به الرواية الزائدة. وقد يجوز أن يكونَ أراد بقوله:"كل ذلك حسن"
لصنع أبي بكرٍ وعمرَ فقط من الجهر والمخافتة ، وواجههما بذلك لمّا أقبلَ