وروى هشامُ بن الغاز عن مكحولٍ أنه كَرِهَ نقطَ المصاحف ، وروى ابنُ
جريجٍ عن عطاءٍ قال:"هذه بدعةٌ"، يعني ما يُكتَبُ عن كل سورة
خاتمتها ، وهيَ كذا وكذا آية ، وروى أيضا عن عكرمةَ أنه قال:"هو بدعة".
قالوا: فأمّا جِلةُ الصحابة فذلك أيضا مرويٌ عن كثيرٍ منهم ، فروى
إسرائيل عن عامر قال:"كتب رجلٌ مصحَفاً عندَ كل آيةٍ تفسيرُها ، فدعا"
به عُمرُ بن الخطاب رضوانُ الله عليه فقرَّضَه بالمقارِيض"."
وروى يحيى بن وثاب عن مسروقٍ عن عبد الله أنه كره تَعشِيرَ المصاحف ، وروى سَلَمةُ بن كُهَيل عن أبي الزَعْراء عن ابن مسعودٍ قال:"جرِّدوا القرآنَ"يقول:"لا تُعشَروه".
ورُوِيَ عن عبد الله أيضاً أنه رأى خَطا فِي مصحفٍ فحَكَهُ وقال:"لا تَخلِطُوا به غيرَه"وهذا أكثرُ مما يحصى جمعُه ويتَّسع.
وكل هذه الأخبار تدل على اتفاق الأمة أن جميعَ ما فِي الإمام الذي كتبه
عثمانُ قرآن منزَل مِن عندِ الله جل وعز ، ولو كان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مكتوبا على وجهِ الفصل والخاتمة لوجبَ أيضا إنكارُ هؤلاء القومِ لذلك .
لأنه ليس من جُملة ال منزَل ، بل هو مثل ما أنكروه بعينه.
ويُوضح ذلك أيضاً ويكشفه أن قوماً من التابعين ومَن بعدَهم من السلَف
قد استجازوا كَتْبَ التَعشِير وخاتمةَ سورةِ كذا وعددَ آياتها كذا وكذا ، فأنكرَ
ذلك عليهم مَن بَدَّعهم فيه ، فلم يحتَجُّوا لصواب فعلِهم بكتابة عثمانَ بسم
الله الرحمن الرحيم فِي فواتح السور ، وأنه لم يكن من القرآن فِي شيء .
ولو كانوا يعتقدون ذلك لسارعوا إلى الاحتجاج به ، ولم يَجُزْ على سائرهم
إغفال هذا الأمر الظاهر الناقض لقولِ من خالفهم وبَدَّعهم ، فهذا أيضاً
يَكشِفُ عن أن إثباتَ عثمانَ والجماعةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لم يكن على
وجهِ الفصل والافتتاح ، والعلامةُ تدل على أنه منزَلٌ من عند الله سبحانه.