من الأمور التي يشتمل عليها التفسير بالمأثور شرح غريب القرآن كذلك ، ومبناه على تتبع لغة العرب أو على فهم سياق الآية ومعرفة مناسبة اللفظ بأجزاء الجملة التي وقع فيها.
مدخل الاجتهاد فِي شرح الكلمة:
وهنا للعقل مدخل وللاختلاف مجال ، إذ أن الكلمة الواحدة تأتي فِي لغة العرب لمعان شتى ، وتختلف العقول والمدارك فِي تتبع استعمالات العرب ، والتفطن إلى السابق واللاحق. ولذلك اختلفت أقوال الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فِي هذا الباب - وسلك كل منهم رأيا ومذهبا.
لابد من نظرتين إلى الكلمة:
ولابد للمفسر العادل أن ينظر إلى شرح الغريب نظرتين ويزنه وزنا علمياً مرتين ، مرة فِي استعمالات العرب حتى يعرف أي وجه من وجوهها أقوى وأرجح ، ومرة ثانية فِي مناسبة السابق واللاحق بعد إحكام مقدمات هذا العلم وتتبع موارد الاستعمال والفحص عن الآثار حتى يعلم أي صورة من صورها أولى وأنسب.
وقد استنبط الفقير فِي هذا الباب استنباطات لطيفة جديدة ، لا تخفي لطافتها ودقتها إلى على قليل الإنصاف غليظ الطبع ، فمثلا ، قوله - تعالى -:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} حملته على معنى تكافؤ القتلى وتساويهم ، ومشاركتهم بعضهم مع بعض فِي حكم واحد ، حتى لا يضطر فِي تفسير قوله - تعالى - {الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} إلى القول بالنسخ ، ولا يحتاج إلى إيراد توجيهات ، تضمحل وتسقط بأدنى نظرة وتفكير.
وكذلك حملت قوله - تعالى -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} على يسألونك عن الأشهر ، أي أشهر الحج. فقال: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} .
وهكذا قوله - عز وجل -: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} فالمراد به: لأول جمع الجنود ،
لقوله - تعالى -: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} وقوله - تعالى -: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ} إلخ.