وأما من جهة العمل وتصرف الجوارح: فإسلامها، لله قولا وفعلا وبذلا، ومسالمة الخلق لسانا ويدا، وهو تمام الإسلام وثبته،"لايكتب أحدكم فِي المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده"ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى بهيآت العبيد. كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة، من الإطراق فِي القيام، ووضع اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر؛ هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري خبره من أمر سيده، وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبد، وكذلك كان النبي، - صلى الله عليه وسلم - ، يجلس
لطعامه، لتستوي حال تعبده فِي أمر دنياه وأخراه، ويقول:"إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد". ويؤثر جميع ما هو هيئة العبد فِي تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته. {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} .
فبهذه الأمور؛ من تحقيق العبودية فِي [القلب، وذل] ، النفس وانكسار الجوارح، تحصل قراءة حرف المحكم، والله الولي الحميد.
الفصل السادس
فيما به تحصل قراءة حرف المتشابه
اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم، لا يتم إلا بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماما، لأن حرف المحكم حال تتحقق للعبد، ولما كان حرف المتشابه إخبار الحق، عن نفسه، بما يتعرف به لخلقه، من أسماء وأوصاف، كانت قراءته أن يتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما تدركه حواس الخلق، ولا مما تناله عقولهم، وإن أجرى بعض تلك الأسماء والأوصاف على الخلق، فبوجه لايلحق أسماء الحق، ولا أوصافه منها، تشبيه فِي وهم، ولا تمثيل فِي عقل، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} . {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فالذي تصح به قراءة هذا الحرف.
أما من جهة القلب: فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق، ويقف عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم، وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها.