الفصل الخامس
فيما به تحصل قراءة حرف المحكم
اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة، هو حظ العامة من الأمة، المعاملين لربهم على الجزاء، المقارضين له على المضاعفة.
وقراءة هذا الحرف تماما ، هو حظ المتحققين بالعبودية، المتعبدين بالأحوال الصادقة ، المشفقين من وهم المعاملة، لشعورهم أن العبد لسيده، مصرف فيما شاء، وكيف شاء، ليس له فِي نفسه حق ولا حكم، ولا حجة له على سيده، فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} . {عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} . والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالمعرفة بعبودية الخلق للحق؛ رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء، مما بينه وبين ربه، ومما بينه وبين نفسه، ومما بينه وبين أمثاله، من سائر العباد."لا يملك لنفسه ضرا ولانفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا"ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده، ولا يكشف السوء عنه إلا هو، فيسلم له مقاليد أمره فِي ظاهره وباطنه، وذلك هو الدين عند الله الذي لا يعمل سواه: إِنَّ الدِّينَ
عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} وهو دين النبي العبد، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخصوص اللب، هي الملة الحنيفية؛ ملة النبي الخليل. هذا من جهة القلب.
وأما من جهة حال النفس: فجميع أحوال العبد القن، المغرق فِي الملك:"إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد". وجماع ذلك وأصله الذل انكسار، والذل عطفا، والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق، والتحقق بالضعة دونهم، وعلى وصف النفس بذلك ينبني حسن التخلق مع الخلق، وصدق التعبد للحق.