وكما حرم الله ما كان فيه جماع الرجس من الخنزير، وجماع الإثم من الخمر، حرم رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ، ما كان فيه حظ من ذلك، فألحق بالخنزير السباع، حماية من سورة غضبها، لشدة المضرة فِي ظهور الغضب من العبيد، لأنه لا يصلح إلا لسيدهم، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها، الذي هو علم غريزة الخرق فِي الخلق، وألحق، - صلى الله عليه وسلم - ، بتحريم الخمر، الذي سكرها مطبوع، تحريم المسكر الذي سكره مصنوع.
وكما حرم الله مايضر العبد فِي ظاهره وباطنه، حرم عليه، فيما بينه وبينه، ما يقطعه عنه من أكل الربا."الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك". وجامع منزله فِي قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} إلى قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} إلى انتهاء ذكره، إلى ما ينتظم بذلك فِي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} الآية. إلى ما يلحق بذلك فِي قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا} الآية. ولما كان تحريم الربا لما بين الرب والعبد، كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية، وكان أشدهم فِي ذلك عالم المدينة، حتى إنه حمى من صورته، مع الثقة بسلامة الباطن منه، وعمل بضد ذلك فِي محرمات ما بين العبد ونفسه.
وكما حرم الله الربا، فيما بينه وبين عبده، من هذا الوجه الأعلى، كذلك حرم أكل المال بالباطل، فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى.