وجامع منزله فِي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} إلى ما ينتظم به من قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} إلى ما ينتظم بذلك من قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} الآيات فِي أموال اليتامى، فحرمه الله تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى، وانتظم التحريم فِي ثلاثة أصول: من جهة ما بين الله وبين عبده، ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره، مما تستقرى جملة آيه فِي القرآن، وأحاديثه فِي السنة، ومسائله فِي فقه الأيمة.
ولما كان له متسع وقع فيما بين الحلال الصرف والحرام المحض، أمور متشابهات، لا يعلمها كثر من الناس، لأنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه، فلوقوعها بينهما تختلف فيها الأيمة علما، ويتجنب جميعها الصالحون عملا."من اتقى الشبهات استبرأ لدينه فِي العقبى، ولعرضه فِي الأولى".
وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام، تحقق لهم اسمه الطبيب، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها، وهو الورع الذي هو ملاك الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
الفصل الخامس
في حرف المحكم
وجه إنزال هذا الحرف تحقيق اتصاف العبد بما هو اللائق به فِي صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه، وبراءته منها، والتجائه إلى ربه استسلاما، وحفده فِي خدمته إكبارا، واستناده إليه اتكالا، وسكونه له طمأنينة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} .