ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة. {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} ."إنما يلبس هذه من خلاق له" {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} ومن رؤية سوء هذا المخسر نشأ زهد الزاهدين، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى مالا يدرك مداه ونعيمه فِي بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة، نشأ ورع المورعين، فاستراحت قلوبهم بالزهد، وانكفوا بالورع عن الكد، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه، فمن رغب فِي الحلال شقي، ومن رغب عنه سعد.
وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي، حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد
على حلف الطعام، وهي كسرة، وثوب يستره وبيت يكنه، وما زاد عليه متجر، إن أنفقه ربحه، وقدم عليه، وإن ادخره خسره وندم ولذلك لم يأذن الله لأحد فِي أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين، بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر
والإيمان. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} ومحا اسمه من الذين آمنوا، وهم الذين لايثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم، بل يخلطون، وذلك فِي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وهو ما طيبه حرف النهي - علما، وبريء من حوار القلوب طصأنينة، وتمم وأنهى صفوه للمرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ، وورد جوايا لسؤالهم فِي قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} فمن آثر حرف النهي حرف الحلال، فقد تزكى واتبع الأحسن، ووضح هداه، وصفا لبه، ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي، فقد تدسى وحرم هدي الكتاب وعلم الحكمة ومزيد التأييد، بما فاته من التزكية، وتورط فيه من التدسية. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
الفصل الرابع
في حرف الحرام