في حرف الحلال
وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع للخلق، بما خلق الله فِي الأرض من خيره ونعمه الموافقة لطباعهم وأمزجتهم، وقبول نفوسهم فِي جميع جهات الاستمتاع، من طعام وشراب ولباس ومركب ومأوى، وسائر ما ينتفع به مما أخرجه الله، ومما بثه فِي الأرض،، ومما عملته أيديهم فِي ذلك، من صنعة وتركيب ومزج ونحو ذلك ، ليشهد دوام لبس الخلق الجديد فِي كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه.
ولما كان الإنسان مخلوقا من صفاوة كل شيء ، توسع له جهات الانتفاع بكل شيء ، إلا ما استثنى منه لحرف الحرام، ووجهه، كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة، فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه، أو خبث نفسه، أو أران على قلبه، وذلك بأن يسوغ له طبعا، وتحسن مغبته فِي أخلاق نفسه، ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة، ثم كمل القرآن ذلك بإلزام إخلاصه للمنعم به من غير أثر لما سواه فيه.
وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} .
ومن أوائله بحسب ترتيب البيان - والله أعلم - {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} الآية، وسائر الآيات الواردة فِي سورة النحل، وفي سورة"يس"إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله، فِي قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} الآيات، إلى سائر ما فِي القرآن من نحوه.
وفي متسع حلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بمازين لهم منه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية.