الركن الأول وهو الصلاة: وبدئت بالوضوء عملا من حذو [تطهر القلب والنفس بحرف النهي ، وأعقب بالصلاة عملا من حذو] حضور القلب بالتوحيد بين يدي الرب، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر، والصلاة وجه عمل حرف الأمر، وسن على تأسيس بدار الحب، لتبدو قوة الإيمان فِي مشهود ملازمة خدمة الأبدان، فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا، من أحب ملكا خدمه ولازمه، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون، وإنما تخدم بالجهد والتذلل ، فكانت الصلاة علم الإيمان، تكثر
بقوته وتقل بضعفه، لأنها لو فرصت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحب، كما لا يظهر بعد فرضها إلا فِي النوافل، ولإجهاد النبي ، - صلى الله عليه وسلم - ، نفسه وبدنه فِي ذلك ، أنزل عليه: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . إلى قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} .
هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول، وذلك قبل إسلام عمر، رضي الله عنه، وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها، فرضت الصلاة، فاستوى فِي فرضها المحب والخائف، وسن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ، التطوع على ما كان أصلها. وذلك صبيحة ليلة الإسراء.
وأول منزل هذا الحرف، والله أعلم، فِي فرض هذا الركن، أو من أول منزله، قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} اختص لهم بها أوقات الرحمة، وجنبهم بها أوقات الفتنة، ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها.