أخرج ابن جرير «1» عن عبد اللّه فِي قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قال: يطلقها بعد ما تطهر ، من قبل جماع ، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى ، ثم يطلقها إن شاء ثم إن أراد أن يراجعها راجعها ، ثم إن شاء طلقها ، وإلا تركها حتى تتمّ ثلاث حيض ، وتبين منه به.
وعلى هذا يكون قد بيّن اللّه سنّة الطلاق فِي هذه الآية ، وبين أنّ من سنته تفريق الطلاق ومنع الاجتماع ، ولأنّه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وهذا يقتضي أن يكون طلقتين مفرّقتين ، لأنّها إن كانتا مجتمعتين ، لم يكن مرتين. ويدل عليه أن الشارع قد طلب أن يسبّح المرء ويحمد ويكبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ولا ينفعه إلا أن يفعل ذلك ثلاثا وثلاثين مرّة ، ولا يكفيه أن يقول: سبحان اللّه ويتبعها بلفظ ثلاثا وثلاثين ، وأنه إذا فعل ذلك يكون مسبحا مرة واحدة لا ثلاثا وثلاثين.
وقد ثبت أن الآية دلت على طلب التفريق فِي إيقاع الطلاق ، فإذا خالف المطلّق وجمع الثلاث فِي لفظ واحد ، فقد اختلف العلماء فِي ذلك ، فقال بعضهم: إنه لا يقع إلّا واحدة ، قال الفخر الرازي: وهو الأقيس ، لأن النهي يدلّ على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعي فِي إدخال تلك المفسدة فِي الوجود ، وهذا غير جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.
وقالت الأئمة الأربعة وغيرهم: تقع الثلاثة إما مع الحرمة ، وإما مع الكراهة ، على حسب اختلافهم فِي ذلك.
وقد استدلّ الأولون من السنة بما رواه أحمد ومسلم «2» من حديث طاوس عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر: إنّ الناس قد استعجلوا فِي أمر قد كانت فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم ، قالوا: وإمضاء الثلاث إبطال للرخصة الشرعية والرفق المشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق: 1] .
وللأئمة أحاديث أخرى ذكرت فِي كتب السنة ، واستقصاء الخلاف والأدلة فِي هذه المسألة يطلب من «نيل الأوطار» «3» «و إعلام الموقعين» «4» لابن القيم.
ومنشأ الخلاف فِي الطلاق - ما ذكرناه وما لم نذكره - الاختلاف فِي أسباب النزول وفي الآية هل هي متعلقة بما قبلها ، أم مستقلة عنها؟ ونحن نجمل ذلك
(1) فِي تفسيره جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري (2/ 277) .
(2) رواه أحمد فِي المسند (1/ 314) ومسلم فِي الصحيح كتاب الطلاق حديث رقم (1472) . []
(3) نيل الأوطار للإمام ابن القيم الجوزية (6/ 193 - 198) .
(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم الجوزية (3/ 41) .