وأجيب بأن معنى الآية: مستقبلات لعدتهن.
وقد احتجوا لترجيح المذهب الثاني بأمور: منها: أننا أجمعنا على أن الاستبراء فِي شراء الجواري يكون بالحيضة ، فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن الغرض منها واحد. ومنها أن العدة شرعت لبراءة الرحم ، والذي يدل على براءة الرحم إنّما هو الحيض لا الطهر.
ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «طلاق الأمة تطليقتان ، وعدّتها حيضتان» «1»
ومن المعلوم أنّ عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فإذا اعتبرت عدّة الأمة بالحيض ، كانت عدة الحرة كذلك.
والمسألة كما ترى محتملة ، ولكنّ مذهب الفريق الثاني أرجح من جهة المعنى.
وقد زعم بعضهم أنّ قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ خبر فِي معنى الأمر ، لئلا يلزم الكذب فِي خبره تعالى إذا لم تتربص بعض المطلقات.
وهذا غير لازم ، لأنّ اللّه أخبر عن حكم الشرع ، فإن وجدت امرأة لا تتربّص لم يكن ذلك حكما شرعيا.
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
قيل: المراد بما خلق اللّه فِي أرحامهن الحيض ، وقيل: الحمل. وقيل: هما معا. وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما فِي رحمها ، يقبل قولها فيه ، لأنّه لا يعلم إلا من قبلها ، وإنّما حرّم اللّه أن يكتمن ما فِي أرحامهنّ ، لأنّه يتعلق بذلك حق الرجعة للرّجل ، وعدم اختلاط الأنساب ، وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك ، فربما حرمت الرجل من حقّه فِي الرجعة ، وربما ادّعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرّحم بالحمل من المطلّق ، ثم تزوجت ، فأدّى ذلك إلى اختلاط الأنساب.
ولعل قائلا يقول: إنّ ظاهر الآية أنّ اللّه شرط عدم حلّ الكتمان بكونهنّ يؤمنّ باللّه واليوم الآخر ، فإذا لم يكنّ كذلك ، فهل يجوز لهنّ أن يكتمن؟
فنقول: إنّ هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلم ، على معنى: إن كنت مؤمنا فإيماك يمنعك من الظلم. وكذلك هنا: إن الإيمان باللّه واليوم الآخر ينبغي أن يمنع كتمانهنّ ما فِي أرحامهنّ ، وهذا وعيد شديد.
والآية تدل على أن من ائتمن على شيء فلا يحلّ له أن يخون فيه ، وهذا مقتضى الإيمان باللّه واليوم الآخر.
(1) رواه أبو داود فِي الجامع الصحيح (2/ 230) ، كتاب الطلاق ، باب فِي سنة الطلاق حديث رقم (2189) ، والترمذي فِي الجامع الصحيح (1/ 488) ، كتاب الطلاق ، باب ما جاء أن طلاق الأمة حديث رقم (1182) ، وابن ماجه فِي السنن (1/ 672) ، كتاب الطلاق باب فِي طلاق الأمة حديث رقم (2080) .