والقروء: جمع قرء ، ويطلق فِي كلام العرب على الطهر وعلى الحيض حقيقة ، فهو من الأضداد.
وأصل القرء الاجتماع ، وسمّي الحيض قرءا لاجتماع الدم فِي الرحم ، وسمّي الطهر قرءا لاجتماع الدم فِي البدن.
وقد يطلق القرء أيضا على الوقت ، لمجيء الشيء المعتاد مجيئة لوقت معلوم ، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. يقال: أقرأت حاجة فلان عندي ، أي: جاء وقت قضائها ، وأقرأ النجم ، إذا جاء وقت أفوله ، وأقرأت الريح: إذا هبت لوقتها ، قال الهذلي «1» :
إذا هبّت لقارئها الرّياح أي هبت لوقتها ، ولمّا كان الحيض معتادا مجيئه فِي وقت معلوم ، سمّت العرب وقت مجيئة قرءا ، ومن مجيء القرء بمعنى الحيض
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لفاطمة بنت أبي حبيش «دعي الصّلاة أيام أقرائك» «2» .
ومن مجيئه بمعنى الطهر قول الأعشى:
وفي كلّ عام أنت جاشم عزوة تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا
مورّثة مجدا وفي الذّكر رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وقد اختلف فِي المراد من القروء فِي الآية ، فذهب مالك والشافعي وابن عمر وزيد وعائشة والفقهاء السبعة «3» ، وربيعة وأحمد إلى أنها الأطهار.
وذهب علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: وابن أبي ليلى وابن شبرمة إلى أنّها الحيض.
وفائدة الخلاف أنه إذا طلّقها فِي طهر خرجت عن عدتها عند الأولين بمجيء الحيضة الثالثة ، لأنّها يحتسب لها الطهر الذي طلقت فيه ، ولا تخرج من عدتها إلا بانقضاء الحيضة الثانية عند الآخرين ، وقد روي عن عمر بن الخطاب وعلي أنهما قالا: لا تحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.
وقد احتجوا لترجيح المذهب الأول بأمور منها: أنه أثبت التاء فِي العدد (ثلاثة) فدل ذلك على أن المعدود مذكّر ، وهو لا يكون مذكّرا إلا إذا كان المراد الطهر ، وإذا كان المراد الحيضة كان مؤنثا. ومنها قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1] ومعناه: فِي وقت عدتهن ، ولكنّ الطلاق فِي زمان الحيض منهيّ عنه ، فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض.
(1) مالك بن الحارث الهذلي ، انظر زاد المسير فِي علم التفسير لابن الجوزي (1/ 217) .
(2) رواه النسائي فِي السنن (1 - 2/ 131) ، كتاب الطهارة حديث رقم (211) .
(3) وهم: سعيد ، سليمان ، أبو بكر ، عبيد اللّه ، عروة ، القاسم ، وخارجة.