وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي معاصيه أن تقربوها ، وفي حدوده أن تضيّعوها ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجازي المحسن بإحسانه. والمسيء بإساءته وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالفوز والكرامة فِي الدنيا والآخرة.
قال اللّه تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) عُرْضَةً - ع ر ض - يتصرّف على معان مرجعها إلى المنع ، لأنّ كل شيء اعترض فقد منع. ويقال للحساب: عارض ، لأنه منع من رؤية السماء والقمرين والكواكب.
وقد يقال: هذا عرضة لك ، أي: عدّة ، فتبتذله فِي كل ما يعنّ لك. قال الشاعر:
ولا تجعلوني عرضة للّوائم
وكان الرجل يحلف على أن لا يفعل بعض الخير: من صلة رحم ، أو إصلاح بين الناس ، أو إحسان ، أو عبادة. ثم يقول: أخاف اللّه إن حنثت فِي يميني ، فقيل:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي لا تجعلوا اللّه مجازا ومانعا لما حلفتم عليه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، فيكون المراد بالأيمان المحلوف عليه ، وسمّي يمينا لتلبّسه باليمين ، ويكون أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم ، ويكون حاصل المعنى:
ولا تجعلوا اللّه مانعا من البر والتقوى إذا حلفتم به. بل افعلوا البر والتقوى ، وكفّروا عن أيمانكم ويكون هذا فِي معنى
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين ، ورأيت غيرها خيرا منها ، فأت الذي هو خير ، وكفّر عن يمينك» «1» .
ومعنى الآية على المعنى الآخر (لعرضة) : ولا تجعلوا اللّه معرضا لأيمانكم ، تبتذلونه بكثرة الحلف به. ويكون أَنْ تَبَرُّوا علة للنهي ، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ، لأنّ الحلّاف مجترئ على اللّه ، غير معظّم له ، فلا يكون برا متقيا ، ولا يثق به الناس ، فلا يدخلونه فِي وساطتهم ، وإصلاح ذات بينهم ، ويكون ذلك نهيا عن كثرة الحلف باللّه ، وابتذاله فِي الأيمان ، قال اللّه تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) [القلم: 10] فذمّ كثرة الحلف.
قال اللّه تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) (اللغو) الساقط الذي لا يعتدّ به: كلاما كان أو غيره ، أما وروده فِي الساقط من
(1) رواه البخاري فِي الصحيح (7/ 275) ، 83 - كتاب الإيمان ، 3 - باب حديث رقم (6622) ، ومسلم فِي الصحيح (3/ 1273) ، 27 - كتاب الأيمان ، 3 - باب ندب من حلف يمينا حديث رقم (19/ 1652) .