يشرحون النساء بمكة ، ويتلذذون بهنّ مقبلات ومدبرات. فلما قدموا المدينة تزوّجوا فِي الأنصار ، فذهبوا يفعلون بهنّ كما كانوا يفعلون بالنساء بمكة ، فأنكرن ذلك ، وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه: فانتشر الحديث حتى انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل فِي ذلك نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
إن شئت فمقبلة ، وإن شئت فمدبرة ، وإن شئت فباركة ، وإنما يعني بذلك موضع الولد للحرث ، يقول: ائت الحرث حيث شئت «1» .
و (أنّى) فِي كلام العرب للسؤال عن الوجوه والمذاهب ، يقال: أنّى لك هذا المال ، أي من أيّ الوجوه والمذاهب؟ فيقال: من وجه كذا وكذا ، قال اللّه تعالى:
أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: 37] .
وقال الشاعر:
أنّى ومن أين نابك الطّرب من حيث لا صبوة ولا ريب
وقد تجرّد عن معنى الاستفهام ككيف ، ويبقى لها معنى الوجوه والمذاهب ، ولا يصحّ أن يفهم غير هذا ، وقد وردت أحاديث تؤيّد هذا الفهم ، وتبطل ما عداه ، فقد ورد عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس ، وقال: كنت آتي أمرأتي فِي دبرها ، وسمعت قول اللّه: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فظننت أنّ ذلك لي حلال؟
فقال: يا لكع وإنما قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة ، فِي أقبالهن. لا تعدو ذلك إلى غيره «2» .
وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «الذي يأتي المرأة فِي دبرها هي اللوطية الصغرى» «3» .
وروى الإمام أحمد وأهل «السنن» أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من أتى حائضا ، أو امرأة فِي دبرها ، أو كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمّد» «4» .
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ الخير ، والصالح من الأعمال ، عدّة لكم يوم الحساب
(1) رواه أبو داود فِي السنن (2/ 219) ، كتاب النكاح ، باب فِي جامع النكاح حديث رقم (2164) . []
(2) قال السيوطي: رواه عبد بن حميد ، انظر الدر المنثور فِي التفسير بالمأثور ، للسيوطي (1/ 263) .
(3) قال السيوطي: رواه أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي ، انظر الدر المنثور فِي التفسير بالمأثور ، للسيوطي (1/ 263) .
(4) رواه أحمد فِي المسند (2/ 408) ، وأبو داود فِي السنن (3/ 398) ، كتاب الطب باب فِي الكاهن حديث رقم (3904) والترمذي فِي الجامع الصحيح (1/ 243) ، كتاب الطهارة باب كراهية إتيان الحائض حديث رقم (135) .