ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف.
ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإِسراف في الماء. فقد قال:
«فإن قلت» : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟
قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإِسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.
وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفي الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله:"متقلداً سيفاً ورمحاً".
و"علفتها تبنا وماء باردا".
ونظائره كثيرة.
ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟
وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟
فيقال: فائدته الإِيجاز والاختصار.
وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا: واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جداً. على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود.
{فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل}
أي: فمن جحد منكم شيئاً مما أمرته به فتركه، أو أعرض عن التكاليف التي كلفته بها بعد أن عرفها فقد بعد عن السبيل المستوية، أخطأ الطريق الواضح المستقيم، وسار في متاهات الضلال التي لا هداية فيها ولا خير معها.
فالجملة الكريمة تهديد شديد لمن ترك الدين الحق واتجه إلى الأديان الباطلة.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل، فلم قال: {فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك} ؟
قلت: أجل من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل. ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم: لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعم المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية العظمى.