(قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ...(4)
قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الجوارح} عطف على الطيبات: أي: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف المضاف أو تجعل"ما"شرطية وجوابها {فَكُلُواْ} والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي، والمكلب: مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد لصاحبها، ورائضها ذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب.
وانتصاب {مُكَلِّبِينَ} على الحال من {عَلَّمْتُمْ} .
«فإن قلت» : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ {عَلَّمْتُمْ} ؟
قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه، مدربا فيه، موصوفا بالتكليب.
قوله {تُعَلِّمُونَهُنَّ} حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أبرع أهله علما وأكثرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإِبل. فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه، وعض عند لقاء النحارير أنامله.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ...(6)
قوله تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ} وردت فيه قراءتان متواترتان.
إحداهما: بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائي ويعقوب.
والثانية: بكسر اللام وهي قراءة الباقين.
أما قراءة النصب فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على قوله {وُجُوهَكُمْ} أو هو منصوب بفعل مقدر أي: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
وأما قراءة الجر فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على {بِرُؤُوسِكُمْ} .
قال القرطبي ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل"اغسلوا"وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته."ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء"ثم إن الله حدهما فقال: {إِلَى الكعبين} كما قال في اليدين {إِلَى المرافق} فدل على وجوب غسلهما.