الحكمة على فصل الخطاب وهو القول الحق [1] الواضح عند العقل والقلب. وكل هذه الوجوه من معاني الحكمة، جاء في كلام العرب فاستعملها القرآن والنبي بما عرفوه، قال النبي:"إن من الشعر لحكمة"أي ليس كل شعر غواية،
(1) والآن انظر في نظم قول تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (الحجر 15: 125) فاعلم أن المخاطب على ثلاث مدارج خالي الذهن معترف ومنكر، وبعبارة أخرى إما تخاطب أولا أو بعد اعتراف أو بعد إنكار، فأولا تخاطبه بما يتقبل عقله من الحق الواضح والخير المعروف، فهذا هو الدعوة بالحكمة. فإذا رأيت أنه مقر بحسن ما تدعوا إليه، ولكنه لا يوافق عمله بعلمه فتحثه على العمل بالموعظة الحسنة. وإذا رأيت أنه يخاف دعوتك فتجادله بالطريق التي هي أحسن فالأول القاء العلم وهذا يكفي للسابقين. والثاني جذب إلى العمل وهذا ينفع الصالحين الذين جاء فيهم {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (الذاريات 51: 55) والثالث إزاله العوائق وبهذا هدى خلق وتمت الحجة على الآخرين، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} . (النحل 16: 36) وبعبارة أخرى الدعوة بالحكمة عامة للناس، ثم هم يفترقون فمنهم من يستمع ويميل، ومنهم من يجادل، فللأول الموعظة، وللثاني حسن المجادلة.