ومقابلتهم بالمجرمين الطاغين. والقرآن تارة يكتفي بهذه الكلمة الجامعة وتارة يفصل معناه وتارة يريد الوجوه الثلاثة على سواء، وتارة يريد وجها خاصا أولا وبالذات، وباقي الوجوه ثانيا حسبما يناسب لمقام كما هو الأصل في فهم الكلمات الجامعة، فأما الاكتفاء بهذا الاسم مع إرادة المعنى الجامع فيكثر، وذلك حيث مدح الله المتقين ولم ينبه على بعض أوصافهم الخاصة. وأما الإلماع إلى بعض وجوهه حسب محله فأيضًا كثير، ومنه قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [1] أي الذين يجتنبون الإثم مع الخشية فإن الفجور هو ارتكاب الإثم مع الجسارة. أيضا {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [2] . الآيتان متقابلتان كما هو ظاهر. وجاءت كلمة اتقى في مقابلة استغنى فالمراد به من تخشع للرب تعالى خاشيا راجيا فلم يستغن عنه وأما تفصيل المعنى الجامع فكما ترى في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ} [3] .
(1) سورة ص 38: 28
(2) سورة الليل 92: 5 - 11
(3) سورة البقرة 2: 177