وقد روت لي الوالدة حفظها الله وهي تتذكر تلك الأيام التي كان يجلس فيها رحمه الله، في ذلك المكان الضيق، وفي مستراح درج منزله الطيني (وسط السلم) الذي خرج منه المؤلفات الكبيرة، أنها كانت تراه معظم أوقاته، والقلم في يده، والدفاتر والأوراق بجانبه، وكان يرحمه الله يجاذبها الحديث ويسترسل، واليد تعمل في التأليف. فلا يمل رحمه الله من الكتابة، والتأليف، والنسخ، والرد الخطي على المستفتين، وتدوين الفوائد، ونسخ صكوك الأوقاف الجديدة والقديمة، وتثبيت المداينات بين الناس.
وقد اطلعت على مُؤَلَّفٍ له رحمه الله وقد نسخه بخط يده ثلاث مرات.
ومن سيرة الجد رحمه الله في التأليف أنه لا يطيل في مقدمة كتبه بل يختصر المقدمة بما يفي بالغرض حفاظًا على وقت القارئ، وفي بعض كتبه المشهورة لا تتعدى مقدمة الكتاب عشرة أسطر، وفي كتابه الفقهي"نور البصائر والألباب"لم تتجاوز مقدمة الكتاب خمسة الأسطر فقط.
وقد يثني رحمه الله على مؤلفاته إذا رأى أن الكتاب يستحق الثناء والإطراء، ويمكن مشاهدة ذلك في مقدمة كتابه"القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن"، فقال رحمه الله: أما بعد؛ فهذه أصول وقواعد في تفسير القران الكريم جليلة المقدار عظيمة النفع، تعين قارئها ومتأملها على فهم كلام الله والاهتداء بها، ومخبرها أجل من وصفها، فإنها تفتح للعبد من طرق التفسير ومنهاج الفهم عن الله ما يغني عن كثير من التفاسير الخالية من البحوث النافعة". انتهى."
يقول الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله في شرحه للكتاب: وثناء شيخنا عبد الرحمن ابن سعدي على كتابه ليس بغريب؛ لأن ثناء أهل العلم على مؤلفاتهم لا يقصدون به الفخر والتفاخر على الخلق، إنما يقصدون شد الناس إلى قراءتها والالتفاف حولها، وله من سلف الأمة قدوة بقول ابن مسعود رضي الله عنه: لو أعلم أن أحدا تناله الإبل أعلم بكتاب الله مني لرحلت اليه. كذلك ثناء ابن مالك على ألفيته.
و يختم كتبه رحمه الله بقوله: قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. ولا ينسى ذكر تاريخ الانتهاء منها.
وفي سنة 1340 هـ حصل على إجازة في رواية الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك ومشكاة المصابيح من شيخه أبي عبد الله علي بن ناصر أبو وادي، والذي تلقاها من محدث الأقطار الهندية السيد محمد نذير حسين الحسيني الدهلوي سنة 1299 هـ.