فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 88

لما كان عمري ثماني سنوات تعودتُ اللعب مع إحدى الخادمات الصغيرات التي كانت تخدم في بيتنا وكانت تسمى (برجس) وكانت صديقة لي في ذلك الوقت، وكان لنا بيت صغير صنعناه أنا وهي من الطين في مقدمة بيتنا الكبير نلعب بداخله، وأنشأنا فيه وجار صغير وقد صففنا فيه دلال القهوة وبرادات الشاي (إباريق الشاهي) ، تقول: وكنا نمثل دور الكبار ويمضي الوقت ونحن لا نشعر به، وفي يوم من الأيام طال بنا المقام وأخذنا استمتاعنا باللعب، وكان الوالد يمر علينا كعادته عند رجوعه من مجالس الناس، فشاهدنا ونحن داخل البيت الصغير فسلم علينا، فرددنا عليه السلام وقالت له الخادمة برجس: يا عم ما عمرك تقهويت عندنا؟!

فقال لنا: يا بنياتي ما عزمتوني! اعزموني وأنا أجي (أحضر) لكم.

قالت له برجس: خلاص بكرة القهوة عندنا لا تنس. وبالفعل في اليوم التالي بعد رجوعه من بعض المجالس وعند وصوله إلى بيته طرق علينا الباب بقوة وهو يردد بصوت مسموع: يا برجس ... يا برجس. يناديها لتفتح الباب، ففتحنا الباب ورحبنا به، ثم جلس في بيتنا الصغير على سجادة فرشناها له في المحكمة (مكان يجلس فيه من يصنع القهوة) يشرب الشاي والقهوة التي أعددناها له، وتحدث معنا رحمه الله، وعند قيامه قال: هاه وأنت يا بنيتي نورة متى تعزميني مثل برجس؟! فقلت له: بكرة أنا عازمتك على القهوة. وفي اليوم الثاني حضر ونادى عليّ: يا نورة ... يا نورة. يناديني لأفتح الباب، وجلس معنا يشرب القهوة والشاهي فتبسط الحديث معنا وفرحنا بجلوسه جدًّا.

تقول الوالدة: لا زلت أذكر تلك الأوقات الجميلة يوم يأتي للغداء وكنا نجتمع نحن أهل البيت حوله يأنس بنا ونأنس به، ويتحدث إلينا ونتحدث إليه، ويضاحكنا ونضاحكه، وكانت عندنا قطة صغيرة وذكية، تعرف ميقات غدائه فإذا جلس رحمه الله للغداء جاءت عنده وجلست بجواره هو فقط، فكان الوالد يمسح على ظهرها ويطعمها من غدائه، فإذا نهرها أحد منا عاتبه وقال له: خلوها تتغدى معنا، هي من أهل البيت.

وتستمر الوالدة في الحديث عن الجد رحمه الله، وعن مزاحه معهم فتقول: لما كنا نصب ونقدم للوالد الشاي أو القهوة كان من باب المداعبة والمزاح يأمرنا أن نصب له ثلاثة فناجين، فنجانا له وفنجانا لزوجته الوهمية أم إبراهيم (قد سبق ذكرها) والثالث لزوجته الوهمية أسماء!

ولهذه الزوجة الأخيرة قصة تقصها عليّ الوالدة فتقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت