ونلاحظ أن هذا البيت ينسجم مع الأمثلة المتقدمة من حيث رفع الفعل في الجملة الحالية.
ولكن ليس كل فعل يقع بين فعلي الشرط والجواب يكون مرفوعا، وهذا ما لاحظه سيبويه فسأل الخليل عنه قال:(وسألت الخليل عن قوله:
مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنارًا تَأجَّجا
قال: تُلْمِمْ بدل من الفعل الأول. ونظيره من الأسماء: مررت برجلٍ عبد الله، فأراد أن يفسر الإتيان بالإلمام كما فسر الاسم الأول بالاسم الآخر) [1] .
ولا نحسب هذا التنظير قد وفق كثيرًا، فمن الصعب القول إن الشاعر أراد أن يفسر الإتيان وهو أمر معروف بالإلمام، ونحن نحس الاختلاف بين مجرد الإتيان وبين الإلمام، ويمكن أن نفهم - رغم وجود الجزم - أن جملة (تلمم بنا في ديارنا) جملة حالية. أما الجزم فقد يكون الشاعر اضطر إليه بحكم البناء الموسيقي للبيت. ورغم هذا كله يمكن أن يكون الشاعر قد استخدم الفعلين المتقاربين معنى ليكون آخرهما (بدلا) من أولهما ولكن ليس للتفسير وإنما للتعبير عن حالة وجدانية معينة يمكن إدراكها إذا انتقلنا من فعل (تأتِنا) - وهو يعبر عن مجرد الوصول والانتهاء إلى غاية - إلى فعل (تلمم) والإلمام هو: (الزيارة غِيّا) [2] ، إذن فالشاعر ينتقل في تعبيره من معنى عام وهو الإتيان إلى معنى خاص من الإتيان وهو الزيارة.
على أنه وفق في الشاهد الآخر وهو الآتي:
إنْ يَبْخَلوا أو يَجْبُنوا أو يَغْدروا لا يَحْفِلوا
يَغْدوعَلَيْكَ مُرَجَّليـ ـنَ كَأنَّهُم لَمْ يَفْعَلوا [3]
جاء الفعل في الشاهد (يعدوا) بدلا من الفعل السابق له (يحفلوا) ومهمته مع جملته تصوير سلوك القوم الذي أشار إليه الفعل (لا يحفلوا) فإتيانهم على هذه الصورة دليل على ذلك.
ويجدر بنا الإشارة هنا إلى أن الشاهد مسوق للدلالة على أن الاشتراك في الجزم للبدلية، وقد أورد هذا الشاهد رغم أنه يتحدث عن الفعل الذي يقع بين فعلي الشرط والجزاء، أي أثناء الحديث عن توسيع الجملة الشرطية بإدخال (جملة أُخرى) في العبارة الشرطية، ومعنى هذا أن الشاهد يزودنا بلون آخر من ألوان التوسيع وهو إدخال (جملة تفسيرية) في العبارة الشرطية ويمكن القول بإدخال فعل يكون (بدلا) من فعل الجواب.
نخلص من هذا إلى أننا أمام وسيلتين لتوسيع الجملة الشرطية: إحداهما إدخال (جملة حالية) في العبارة الشرطية، والأخرى إدخال جملة تفسيرية في العبارة الشرطية أو الجوابية.
(1) م. ن.، ص. ن.
(2) الأزهري، تهذيب اللغة 15: 349.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 87.