ارتبطت نشأة النحوبملاحظة الخطأ في الإعراب [1] . وهو ما سُمى باللحن، وقد وُوجهت هذه المشكلة بطريقتين: الأولى محاولة التعقيد لغة العربية اعتمادًا على استعمال اللغة بين أوساط لا تخطيءُ، والثانية رصد جملة الأخطاء الشائعة وتصحيحها، ونتج عن ذلك ما سمي بكتب لحن العامة.
والذي يهمنا من ذلك كله هو أن الذي دعا إلى التعقيد - وهذا ما يفهم من الحديث عن نشأة النحو- هو الخطأ في الإعراب، وعلى هذا الأساس كانت العناية بملاحظة الحركات في أواخر الكلمات كبيرة، وذلك لمعرفة أسباب تغيرها. وكان أن أُرجع ذلك إلى مسببات تكون في الكلام نفسه سُميت بالعوامل. ووُسعت الفكرة، وذلك من أجل اطرادها، فكان هناك ما سمي بالعوامل اللفظية والعوامل المعنوية.
وهكذا كان الانطلاق من وجود الحركة، إذ هي الأصل، حتى ارتبطت الحركات بوظائف معينة تحتلها الكلمات من الجملة العربية، وسميت هذه الحركات بعلامات الإعراب، ولهذا قُدِّر وجودها تقديرًا إذا لم تكن ظاهرة لفظًا، فالفاعل وهو وظيفة نحوية لابد أن يكون مرفوعًا. ومعنى أن يكون مرفوعًا أن ينتهي بالضمة، فإذا لم تظهر كأن يكون الإسم منتهيًا بألف (فتحة طويلة) مثل"عيسى"فلابد أن نتصور ضمة مقدرة على آخره وكان يمكن أن تظهر ولكن ذلك تعذر بسبب الألف، ونرجع لجوء النحو إلى مثل هذا التكلف إلى إرادة الاطراد انطلاقًا من وجود الحركة، فالفاعل الذي تظهر فيه الحركة مثل (قام محمدٌ) ينتهي بالضمة، وكأن الأمر أيسر من ذلك، فالملاحظة الصادقة توجب القول بأنَّ الفاعل إذا كان اسمًا أو علمًا متأخرًا عن فعله فهو منته بالضمة إن أمكن ضمه [2] . ومعنى ذلك أنه ليس كل فاعل مرفوعًا، لأنه ليس كل فاعل يمكن أن ينتهي بالضمة [3] .
(1) انظر في الكلام على نشأة النحومن القدماء:
-... أبوالطيب اللغوي (ت 351) ، مراتب النحويين البصريين، تحق: محمد أبوالفضل إبراهيم (ط 2 دار نهضة مصر للطبع والنشر / القاهرة 1974 م) 23.
-... السيرافي (ت 368) ، أخبار النحويين البصريين، بعناية فريتس كرنكو (معهد المباحث الشرقية بالجزائر، مطبعة الكاثوليكية / بيروت 1936 م) 15.
ومن المحدثين:
محمد الطنطاوي، نشأت النحو (دار المعارف بمصر 1973 م) 16.
(2) وذلك حسب التركيب الصرفي له فبعضها ينتهي بحركة لازمة مثل: الفتى، وطه.
(3) وقد تنبه إلى ضرورة تجاوز هذا المبدأ النحوي عبدالقادر المهيري، انظر ما قاله:
مساهمة في تحديد الجملة الاسمية (حوليات الجامعة التونسية ع 5، 1968 م) 14.