بعض الكتب النحوية إلى جانب مصطلح (معنى الشرط) [1] . وهذه الأحكام هي ما تناولناه بالدراسة في الصفحات السابقة فإذا كانت تلك القرائن إنما تدل على (معنى إنْ الشرطية) فما هو معنى (إنْ) ؟ وفي سبيل الإجابة على هذا السؤال نورد ما قاله الرضى: (وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أُولاهما: فرضا حصول مضمون الثانية، فالمضمون الأول مفروض ملزوم، والثاني لازمة) [2] .
فإذا كان هذا هو معنى الشرط، فإنا قد نجده في جميع الأدوات الشرطية جازمة وغير جازمة، ولكن أداة من هذه الأدوات التي فيها معنى الشرط تشكل بعض الأشكال، فنحن لا ندري كيف يمكن تطبيق معنى الشرط عليها، وهذه الأداة هي (أمَّا) فقد كانت مثار نقاش طويل في كتاب النحو، ولذلك نؤثر أن نخصها بشيء من التفصيل.
ذكرنا سابقا أن سيبويه اعتبرها أداة فيها (معنى الجزاء) ونقلنا نص كلامه في ذلك، وحللنا فكرته، فرأينا أنه ذهب إلى ما ذهب إليه بسبب تحويله جملتها عن جملة شرطية، مستفيدا من وجود الفاء في جملتها.
ولقد لقي هذا القول الذي قاله مصادقة من طائفة كبيرة من النحويين من بعده [3] ولكن (أمّا) بهذا الفهم الذي ذهب إليه النحاة متابعة لسيبويه قد جعلها أداة على شيء من الشذوذ الذي جعلهم ينساقون في جملة من التخريجات لكي يردوا هذه الأداة وجملتها إلى النمط الذي يعرفونه للمجلة الشرطية.
ففي الجملة: (أما زيد فمنطلق) يرون أن معناها مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَزَيدٌ مُنْطَلِقٌ فالقضية التي تثار هو أن الفاء وهو رابطة جزائية تكون بين حدي الجملة في (أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ) فلما تقدم الاسم (زيد) احتاجوا إلى تعليل ذلك، اما المبرد فقد ذهب إلى أنه قدم الاسم ليسد مسد المحذوف [4] . وقد صرح النحاس بهذه المشكلة التي تواجههم في (أما) فهو يقول: (وهذا الموضع [5] مشكل من الإعراب لأن(أمّا) تحتاج إلى جواب، ويسأل لم صار لا يلي (أما) إلا الاسم وهي تشبه حروف المجازاة؟ وإنما يلي حروف المجازاة الفعل. وهذا أشكل ما فيها) [6] .
ويورد النحاس الإجابة على هذا السؤال بما ذكرة ابن كيسان وهو أن معنى (أما) مهما يكن من شيء، فجعلت (أما) مؤدية عن الفعل، ولا يلي فعل فعلا فوجب أن يليها الاسم وتقديره أن يكون بعد جوابها [7] .
وقد بسط ابن جني القول في هذه المشكلة معتمدا في ذلك على أستاذه الفارسي وهو ينسب القول إليه في (الخصائص) ، و (سر صناعة الإعراب) ، ويمس المشكلة التي يثيرها تفسير (أما) بـ (مهما يكن نت شيءٍ) فعلى هذا التقدير يجب أن تلي الفاء (أما) وهذا طرح للقضية من جهة الفاء وقد سبق أن طرحت من جهة تقديم الاسم، ولا أحسب أن القضية مختلفة، ونورد قول ابن جني لما فيه من تفصيل ووضوح:
(فمن ذلك قولهم: أمَّا زّيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، ألا ترى أن تحرير هذا القول إذا صرحت بلفظ الشرط فيه صرت إلى أنك كأنك قلت: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، فنجد الفاء في جواب الشرط في صدر الجزأين، مقدمة عليهما. وأنت في قولك:(أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ) إنما تجد الفاء واسطة بين الجزأين ولا تقول: أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؟ كما تقول فيما هو في معناه: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقُ، وإنما فعل ذلك لإصلاح اللفظ.
ووجه إصلاحه أن هذه الفاء وإنْ كانت جوابًا ولم تكن عاطفة فإنَّها على مذهب لفظ العاطفة وبصورتها، فلوقالوا: أَمَّا فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، كما يقولون: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيءٍ فَزَيْدٌ مُنْطَلِقٌ لوقعت الفاء الجارية مجرى فاء العطف بعدها اسم وليس قبلها اسم، إنما قبلها في اللفظ حرف، وهو أما. فتنكبوا ذلك لما ذكرناه، ووسطوها بين الحرفين، ليكون قبلها اسم وبعدها آخر، فتأتي على صورة العاطفة، فقالوا أمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، كما تأتى عاطفة بين الاسمين في نحوقَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو. وهذا تفسير أبي على رحمه الله تعالى وهو الصواب) [8] .
وقد تحدث ابن الشجري في مواضع متفرقة من أماليه عن (أما) ، ملما بما تثيره من قضايا، فذكر العلة في أنها لا تلاصق الفعل [9] ، وهي العلة التي قال بها ابن كيسان [10] ، وذكر أنها حرف وضع لتفصيل الجمل وقطع ما قبله عما بعده عن العمل وأٌنيبت عن جملة الشرط وحرفه [11] ، وأن الفاء لازمة في جوابها لا تحذف إلا ضرورة في
(1) الرضى، شرح الكافية 2: 109.
(2) الرضى، شرح الكافية 2: 108.
(3) المبرد، المقتضب 3: 27، النحاس، إعراب القرآن 32، 1236، الزبيدي، الواضح في علم العربي 177، ابن جني، سر صناعة الإعراب 268، الخصائص، 1: 312، الهروي، كتاب الأزهية 153، القيسي، مشكل إعراب القرآن 2: 271 ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة 1: 251 - 252. الزمخشري، المفصل 323 الكشاف 1: 266، ابن الشجري، الأمالي 1: 289، 2: 348، الطبرسي، مجمع البيان 1: 145، الأنباري، البيان 1: 66، 2: 338، ابن يعيش، شرح المفصل 9: 11، ابن الحاجب، شرح الكافية للرضى 2: 399، ابن مالك، التسهيل 245 الرضى، شرح الكافية 2: 395، المالقي، رصف المباني 97، أبوحيان، ارتشاف الضرب 818، البحر 1: 119، المرادي، الجني الداني 97، ابن هشام، المغني 1: 57، الزركشي، البرهان 4: 242، السيوطي، همع الهوامع 2: 67.
(4) المبرد، المقتضب 3: 27.
(5) الموضع في الآية (فأما إن كان من المقربين) الواقعة 88.
(6) النحاس، إعراب القرآن 1236 - 1237.
(7) النحاس، إعراب القرآن 1237.
(8) ابن جني، الخصائص 1: 312 - 313 ووازن هذا بما جاء مفصلا في سر صناعة الإعراب 268 - 269.
(9) ابن الشجري، الأمالي الشجرية 1: 289، 2: 348.
(10) النحاس، إعراب القرآن 1237.
(11) ابن الشجري، الأمالي الشجرية 1: 289.