ويذهب ابن السراج إلى أنَّ إدخال (كان) بعد (مَن) يُذهِب (المجازاة) يقول: (وتقول: مَن كان يأتِينا وأيٌ كان يأتينا نأتيه، أذهبت المجازاة، لأنك قد شغلت(أيًا ومَنْ) عن (يأتينا) [1] .
ولسنا مع ابن السراج في هذا السبب الذي يذكره، ذلك أننا لا نصل بين (كان) والفعل الذي بعدها، فهما معا يؤديان حدثًا واحدًا، ولهما فاعل واحد. ولكن السبب يكمن في (مَنْ) نفسها، ففي حالة الموصولية تكون مشيرة إلى شخص معين يتضح من القرينة وهي الصلة، والصلة أمر معلوم سلفًا، أما في حالة الشرط فإن (من) لا تشير إلى شخص ما، والجملة بعدها ليست أمرا معلوما.
وفي المثال الذي طرحه ابن السراج: (مَنْ كان يأتينا نأتيه) يمكن صياغته على النحوالتالي:
نَأتِي مَنْ كَانَ يَأتِينَا.
و (مَن) : هو شخص محدد كان منه إتيان متكرر.
والخلاصة إذن هي أنَّه إذا جعلت (كان ياتينا) صلة لِ (مَنْ) ذهب (الجزاء) وإذا جعلت جملة للشرط لم يذهب (الجزاء) ، فقلنا: مَن كان يأتينا نأتِه.
وتاتي أدوات الشرط الموصولية الأصل بعد أدوات غير عاملة فتخلص للموصولية وتفارق الشرطية. (فمن ذلك قولك: أتذكر إذ مَن يأتينا نأتيه، وما مَنْ يأتينا نأتيه، وأما مَنْ ياتينا فنحن نأتيه) [2] .
ويقول سيبويه إنهم كرهوا (الجزاء) ها هنا لأنه ايس من مواضعه، لأنه لا يحسن أنْ ناتي بـ (إنْ) مكان (مَن) فنقول: أتذكُر إذْ إنْ يأتِنا نَأتِه، كما أنه لم يجز: إنَّ إنْ تأتِنا نأتِك. ومن أجل هذا التماثل كره (الجزاءُ) بعد إذ [3] .
ولأن هذا الأمر مكروه كما يقول سيبويه فلا غرابة أنه قد يجوز في الشعر، لأن هذه الأدوات لا تغير الكلام [4] .
ويجوز في ضرورة الشعر أن تلي (إذْ) (إنْ) [5] .
وإذا فصلن (إذ) عن (مَنْ) بضمير حافظت الجملة الشرطية على استقلالها وتركيبها نحو: أتذكر إن نحن مَنْ يأتِنا نَأتِه [6] .
ومن تلك الأدوات أيضا (إذا) تقول: مررت به فإذا مَنْ يأتيه يعطيه. (إنْ شئت جزمت لأن الإضمار يحسن ها هنا) [7] . (فكأنَّك قلت، فإذا هو مَنْ يأتِه يُعطِه) [8] ومعنى ذلك أنه يمكن الفصل بالضمير أو تقديره مضمرا.
ومثل (إذا) (لكن) تقول (ما أنَا ببَخِيل ولكنْ إنْ تأتِني أُعطِك، جاز هذا وحسن لأنك قد تضمر هنا كما تضمر في إذا) [9] ،(وإنْ لم تضمر تركت الجزاء كما فعلت ذلك في إذ، قال طرفة:
وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التَّلاعِ مَخَافَةً وَلكنْ مَتَى يَسْتَرْفدِ الْقَوْمَ أَرْفِدِ
كأنه قال: أنا. ولا يجوز في متى أن يكون الفعل وصلا لها كما جاز في مَن والذي) [10] . ومعنى ذلك أنه لا إمكانية هناك لرفع الفعل بعد (متى) في هذا التركيب.
أما (لا) فإنها لا تأثير لها على الجملة الشرطية بمعنى أنه يجوز أن تليها أدوات الشرط. يقول سيبويه (وتقول: لا مَنْ يأتِك تُعطِه، ولا مَنْ يُعطِك نَأتِه، مِنْ قِبَل أنَّ(لا) ليست كإذْ وأشباهها، وذلك لأنها لغو) [11] .
تقع بعض أدوات الشرط بعد حروف الجر ولكنها تظل مؤدية لوظيفتها.
وينسب سيبويه القول بهذا إلى يونس والخليل معا يقول: (وذلك قولك: على أيِّ دابة أُحْمَلْ أَركبْه، وبمَنْ تُؤخَذْ أُوخَذْ به. هذا قول يونس والخليل جميعا) [12] ويقول (فحروف الجر لم تغيرها عن حال الجزاء، كما لم تغيرها عن حال الاستفهام. ألا ترى أنك تقول: بِمَنْ تَمُرُّ. وعلى أيَّها أَرْكَبُ؟ فلوغيرتها عن الجزاء غيرتها عن الاستفهام) [13] .
والعلة عند سيبويه أن حرف الجر يعتبر جزءً من الفعل اللازم لأنه يتعدى به كما يتعدى الفعل المتعدي، والجر في اللازم نظير النصب والرفع في المتعدي [14] .
وهذا تفسير جيد فالحروف ليس دخيلا على الجملة بل هو جزء منها، ولا يصلح هنا المعيار الذي كان يحتكم إليه سيبويه من قبل وهو إحلال (إنْ) محل الأداة الشرطية، ولعل ذلك يرجع إلى أنَّ كل ما يمتنع أن يكون
(1) ابن السراج، أصول النحو 2: 195.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 75.
(3) م. ن.، ص. ن.
(4) م. ن.، ص. ن.
(5) سيبويه، الكتاب 3: 76.
(6) م. ن.، ص. ن.
(7) م. ن.، ص. ن.
(8) م. ن.، ص. ن.
(9) سيبويه، الكتاب 3: 77 - 78.
(10) سيبويه، الكتاب 3: 78.
(11) سيبويه، الكتاب 3: 76.
(12) سيبويه، الكتاب 3: 79.
(13) سيبويه، الكتاب 3: 79، وانظر ابن السراج 2: 167.
(14) سيبويه، الكتاب 3: 79.