ولابد من التنبه إلى شيء آخر وهو أن الجمل لا تكون في اللغة معلقة في الهواء وإنما تأتي في سياق يحدد لها معناها فيحدد المعنى البنية التي تأتي فيها. ويجدر بنا دراسة المعاني فالتركيب، وليس الوقوف عند الشكل واستنطاق إمكاناته الدلالية.
وعقد سيبويه بابا آخر سماه (هذا باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي لأن فيها معنى الأمر والنهي) [1] وهي تضم بعض التركيبات التي فرغت للدلالة الطلبية، وبعض الجمل الخبرية التي انتقلت دلاليا من الخبرية إلى الطلبية، أما التركيبات المفرغة للطلبية فهي ما اصطلح عليه بعد ذلك (بأسماء الأفعال) [2] مثل: (حسبك، وكفيك، وشرعك) [3] ، ومثال ذلك: (حسْبُك يَنَمْ الناس) [4] وضرب مثالا لهذه الجملة الخبرية: (اتقي اللهَ امرؤٌ وفعلَ خيرًا يثبْ عليه) [5] يقول عنها سيبويه: (لأن فيه معنى ليتقِ اللهَ امرووليفعلْ(خيراٌ ) ) [6] .
وذكر هذا المثال ابن يعيش في شرح المفصل [7] .
وعرض ابن عصفور للقضية فقال:(والأسماء الموضوعة موضع فعل الأمر، تجري مجراه في جزم الجواب، إذا ضمنت معنى الشرط، نحوقولك نِزَالِ أُكْرِمْك. وحسبك ينم الناس ومن ذلك قوله:
وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وَجَاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتَرِيحِي
وكذلك الفعل الذي لفظه لفظ الخبر ومعناه أمر، يجزم الجواب إذا ضمن معنى الشرط. ومن كلامهم: اتقي اللهَ امرؤٌ فعلَ خيرًا يثبْ عليه) [8] .
عند تتبع الأمثلة التي ضربها سيبويه على تلك التراكيب موضوع القضية نجد أن الدلالة الشرطية واضحة جدًا في حالة (الأمر) نحو: (ائتني آتِك) ن فدلالتها واضحة جدا إذا روعي التنغيم المعين المشعر بتلازم حدى الجملة، فنحن ندرك تماما أن (ائتني آتِك) تعني (إن تأتني آتك) ، ومثله في ذلك (النهي) وليس ذلك بمستغرب فما (النهي) إلا أمر سلبي، فمثال ذلك (لا تغادر بيتك آتك) فمعناها الواضح (إن لا تغادرْ بيتك آتك) أي إنْ تلزمْ بيتك آتك، اما الاستفهام فهو أقل وضوحا في الدلالة الشرطية، وهذه الدلالة لم تأته إلا بسبب انتقاله من وظيفة الاستفهام إلى وظيفة الأمر، مثال ذلك: (أين بيتك أَزرْك) ، فأين بيتك ليس استفهاما وإنما أمر معناه أخبرني بمكان
(1) سيبويه، الكتاب 3: 100.
(2) أطلق عليها ابن السراج (الأسماء التي سمى بها الأمر) أصول النحو 2: 194.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 100.
(4) م. ن.، ص. ن.
(5) م. ن.، ص. ن.
(6) م. ن.، ص. ن.
(7) ابن يعيش، شرح المفصل 7: 49.
(8) ابن عصفور، المقرب 1: 273.