فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 272

يفهم من هذا النص أننا أمام تركيب مختلف، ففي حالة (لا تدن من الأسد يأكلُك) نحن أما جملتين لا عبارتين: إحدهما جملة طلبية (لا تدن من الأسد) والأُخرى جملة خبرية مستأنفة (يأكلُك) ونسطيع في هذه الحالة أن نضع علامة ترقيم تفصل الجملتين إحداهما على الأُخرى على هذا النحو: (لا تدن من الأسد، يأكلك) .

ولا شك أننا سنجد هذا الكلام منغما تنغيما خاصا في اللغة المنطوقة، تنغيما يكفل له أن يفترق عن غيره من التراكيب، ولكن الترقيم الكتابة، والتنغيم في النطق أمر لم يجد التفاتا من لدن سيبويه ولا غيره من بعده.

استشهد سيبويه على حالة الرفع هذه بثلاثة أبيات شعرية أحدها قول الأخطل:

وقالَ رائِدُهُم أَرْسُونُزَاولهَا فَكُلُّ حَتْفِ امْريءٍ يَمْضي لِمْقدار [1]

فسيبويه يرى أنَّ الرفع على الاستئناف، وهو بهذا يحدد للبيت معنى خاصا، ولكن هذا المعنى منطلق من القاعدة أكثر من انطلاقه من ملابسات السياق، والبيت يعطي في هذه الحالة من البعد عن سياقه أكثر من معنى، فيمكن أن يكون المعنى: (أرسوا لنزاولها) .

ويمكن أن تكون الجملة (أرسوا نزاولها) شرطية جزائية لكنه لم يجزم الفعل مخالفا بذلك القاعدة، فهذه وجوه محتملة، ولكن الذي يحدد أحدها هو المعنى الذي يريده الشاعر فعلا وهذا غائب لغياب القرائن والملابسات المحددة للمعنى.

أما البيت الثاني فهو قول عمروبن الإِطْنابَه الأنصاري:

يَا مال والحقُ عِنْدَه فَقِفُوا تُؤْتَوْنَ فِيه الوفاءَ مُعْتَرفَا [2]

وقال معلقا: (كأنه قال: إنكم تؤتون فيه الوفاءَ معترفا) [3]

ونحن لا نعرف السياق العام للقصيدة التي اشتملت على هذا البيت ولا المناسبة التي قيلت فيه، ولا شك أنه لا ينبغي له أن يدل على أكثر من معنى، ولكنه حينما انتزع من مكانه صار يفهم منه غير معنى، فأحد هذه المعاني أن تكون (تؤتون) بداية جملة جديدة، والبيت يعطي هذا المعنى، فنحن نستطيع الوقوف عند الشطر الأول من البيت فثمة جملة تامة. ولكن البيت أيضا يعطي معنى آخي وهو: فقفوا لتؤتوا فيه الوفاء، ولكنه حذف اللام.

والبيت الثالث لمعروف الدبيري:

كُونوا كَمَنْ واسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ نَعِيشُ جَمِيعًا أو نَمُوتُ كِلاَنا [4]

وقدم سيبويه فهمين أحدهما فهمه الذي عليه الاستشهاد، وهو: (كونوا هكذا إنا نعيش جميعا أو نموت كلانا إنْ كان هذا أمرنا) [5] .

(1) سيبويه، الكتاب 3: 96.

(2) م. ن.، ص. ن.

(3) م. ن.، ص. ن.

(4) سيبويه، الكتاب 3: 97.

(5) م. ن.، ص. ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت