ومثل هذا الموقف من يحذر الطفل في المقال الذي رده النحاة وهو (لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلْك) .
فالنحاة يرون أن (لا تدنُ) تعني تماما: ابتعدْ [1] ، وليس الأمر كذلك، فليس المقصود مزاولة الابتعاد، وإنما المطلوب (عدم الدنو) والاحتفاظ بالمكان، فإذا كان الطفل يقع على مسافة مئة متر وسمع مثل هذا الكلام فهو سيفهم أن المقصود هو أن تظل المسافة كافية لحمايته وليس يفهم أن عليه أن يبتعد أكثر فأكثر.
والسؤال الآن كيف تأتي (يأكلْك) بعد قوله (لا تدنُ من الأسد) ؟ فالقول إنَّ الجواب يأتي معضدا لمضمون السابق، فالمطلوب أساسا هو التحذير من الأسد، فعبر عن ذلك بالنهي ثم أُطلق بجواب يؤكد الفكرة ويبين مغبة مخالفتها، فهو يقول:
(لا تدنُ من الأسد) ثم يحذر بـ (يأكلْك) كأنه يقول: (إن تدنُ من الأسد يأكلْك) ، ولووجدت الجملة على هذا الشكل الآتي لما اعترض معترض: (لا تدنُ من الأسد فإنك إن تدنُ منه يأكلْك) .
ولا يعني هذا أننا ننفي وجود جمل محالة، فهناك جمل تقضي القرينة باستحالتها مثال ذلك أن نقول: (لا تدرسْ تنجحْ) .
فهذا المثال لا يمكن أن يقول به عاقل وهو يريد القول بأن عدم الدراسة مفض إلى النجاح.
وهم يقبلون الجملة: (لا تعص الله يُدخلْك الجنة) [2] ، وويرفضون (لا تعص الله يُدخلْك النار) [3] ، وذلك لأنهم يقدرون الأُولى بـ (لا تعص الله فإنْ لا تعصِه يدخلْك الجنة) ، والثانية بـ (لا تعصِ الله فإن تعصِه يُدخلْك النار) ، أما نحن فعلى فهم الكسائي نقبلهما على اعتبار الجواب في الأُولى للترغيب والجواب في الثانية للترهيب.
ويبقى لنا أن نقول إن السامع وهو يتلقى اللغة لا يحللها ويخرجها تخريج النحاة.
وإذا أنكر سيبويه (لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلْك) (بالجزم) فإنه يعطي بديلا عنها وذلك جعل (يأكلْك) مرفوعة (يأكُلُك) فيصير الكلام: لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلُك يقول سيبويه: (فإن رفعت فالكلام حسن كأنك قلت: لا تدن منه فإنه يأكلُك) [4] ، فهل الفرق بين الحالتين إنما هو فرق ظاهرى متمثل في الحركة الإعرابية للفعل؟ كلا فهو يقول في موضع آخر:
(وتقول: ائتني آتِك، فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أنْ لا تجعله معلقا بالأول، ولكنك تبتدئه وتجعل الأول مستغنيا عنه، كأنه يقول: ائتني أنا آتيك) [5] .
(1) يقول المبرد: (وكذلك لا تدن من الأسد يأكلك لا يجوز، لأنك إذا قلت:(لا تدن) فإنما تريد. تباعد، ولوقلت: تباعد من الأسد يأكلك - كان محالا) المقتضب 2: 82.
(2) المبرد، المقتضب 2: 83، ابن يعيش، شرح المفصل 7: 50.
(3) المبرد، المقتضب 2: 83، ابن يعيش، شرح المفصل 7: 50.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 97.
(5) سيبويه، الكتاب 3: 95 - 96.