وورد المثال عند المبرد ولم يجز لأنه محال [1] . وعند ابن السراج [2] ، والجرجاني [3] ، والزمخشري [4] ، وابن يعيش [5] ، وابن عصفور [6] . وتقدير المثال على مذهب هؤلاء هو:
لا تدن من الأسد فإن لا تدنُ منه يأكلْك، وهذا مخالف لطبيعة الكلام.
ولكن فهمًا مرنًا كفهم الكسائي لن يرد هذا المثال، على اعتبار أن القرينة قائمة على ما يراد من المثال، بمعنى أن الجواب جاءَ محذرا من مغبة الاقتراب.
ورغم أن المثال المرفوض من قبل سيبويه والنحاة هو مثال واحد فإن سبب الرفض مختلف.
يرجع رفض سيبويه كما تبين إلى أن الجواب لا يناسب الشرط. أما رفض النحاة فليس راجعًا إلى التركيب نفسه ولكن يرجع في حقيقته إلى ما في قاعدتهم من تحكم وهي قاعدة التطابق بين الظاهر والمضمر فهم حينما جاءُوا بالمضمر تبين الخلل في المعنى، وإذا كان سيبويه محقًا في رده المثال فإنهم ليسوا محقين، ذلك أن الحذف في الحقيقة لم ينشأ بسبب وجود دليل عليه، وإنما لأن المحذوف يمكن فهمه من جمل التركيب ومن الملابسات المحيطة بالمثال، فالكلام لا يقال إلى ذهن خال وإنما إلى ذهن زاخر بالتجربة التي يعول عليها في توجيه فهم الكلام، ولذا كان الكسائي محقا في مذهبه.
وإذا تذكرنا أننا أمام جملة جديدة تأتي في خدمة الجملة الطلبية السابقة وليست جوابا لها فإننا ندرك تماما أن الكلام المحذوف لابد أن يكون بحيث يخدم هذه الوظيفة.
ولمزيد من إيضاح هذه الفكرة يمكن لنا القول إن هذه التراكيب ذات العبارة المحذوفة هي من قبيل اللغة الانفعالية وتعتمد اللغة الانفعالية كثيرًا على القرائن، وتعول كثيرًا لفهم مضامينها على إدراك المتلقي، وتقتضي الحالة النفسية أنْ يأتي التركيب على صورة معينة، يختلف بها عن الحال في حالات نفسية لا يواكبها انفعال. مثال ما يكون من اللغة الانفعالية ما يصدر عن الصياد لزميله إذا لمح غزالا حيث يصيح: (الغزال .... الغزال) لا يسهل التكهن بمراده من هذا الترديد على وجه الدقة فالمضمون محكوم باتفاقات وأعراف سابقة تجعل من هذه الأصوات أكثر فعالية، ولكنا لا نستطيع أن نحول هذه الأصوات إلى جمل نكملها نحن كأن نقول: انظر الغزال، أو طارد الغزال، ولسنا ندرك من تكرار اللفظ أنه يريد التوكيد اللفظي كلا، كل ما يريده هو تنبيه زميله وإشراكه في التجربة الحيوية التي يعيشها، فهو بهذه الكلمات السريعة المتلاحقة ينقل زميله من حالة الانتظار والترقب إلى حالة جديدة وهي ممارسة الفعل ابتداءً من التنبه لميدان الفعل وهو (الغزال) .
(1) المبرد، المقتضب 2: 82.
(2) ابن السراج، أصول النحو 2: 187.
(3) الجرجاني، المقتصد 1069.
(4) الزمخشري، المفصل 253.
(5) ابن يعيش، شرح المفصل 7: 47.
(6) ابن عصفور، المقرب 1: 272.