والحقيقة أن اشتراط التطابق بين الظاهر والمضمر ينطوي على بعض التحكم، وسنبين فيما بعد كيف دفعهم ذلك إلى رد بعض الاستخدامات التي يمكن قبولها.
من النحاة الذين صرحوا بذكر هذا القيد الجرجاني حيث قال (والمضمر يجب أن يكون من جنس المظهر) [1] والزمخشري في قوله (وحق المضمر أن يكون من جنس المظهر) [2] وقد تولى ابن يعيش تفصيل ما أجمل في القولين المذكورين فقال: (أعلم أن المعنى إذا كان مرادا لم يجز حذف اللفظ الدال عليه لأنه يكون إخلالا بالمقصود اللهم إلا أن يكون ثمَّ ما يدل على المعنى أو على اللفظ الموضوع بإزاء ذلك المعنى فيحصل العلم بالمعنى ضرورة العلم بلفظه وههنا إنما ساغ حذف الشرط واداته لتقدم ما يدل عليه من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض فيلزم أن يكون المضمر من جنس الظاهر، إذ لوخالفه لما دل عليه فإذا كان الظاهر موجبا كان المضمر موجبا وإذا كان نفيًا كان المضمر مثله والأمر كالموجب من حيث كان طلب إيجاب والنهي كالنفي من حيث كان طلب نفي فلذلك كان حكم الأمر كحكم الموجب فكما يكون الموجب بأداة وبغير أداة نحوإنَّ زيدا قائمٌ وزيدٌ قائمٌ كذلك يكون الأمر بأداة وبغير أداة نحوليقُمْ زيدٌ وقُمْ يا زيدُ وكما لا يكون النفي إلا بأداة كان النهي كذلك نحولا تقم فإذا كان الظاهر أمرا كان المضمر فعلا موجبا وذلك إذا قلت أكرمني كان التقدير إنْ تُكْرمْني أكرمْك وإذا قلت لا تعص الله يدخلك الجنة كان المعنى إنْ لا تعْصِه يُدْخِلْك الجنة) [3] .
ونجد في مقابل مذهب النحاة هذا مذهبا آخر هو مذهب الكسائي الذي لا يرى بأسا في أن يكون المضمر على خلاف الظاهر وذلك إذا قامت قرينة تسوغ ذلك [4] . وقال الرضى بأن ما يذهب إليه الكسائي ليس ببعيد لوساعده نقل [5] .
ونجد أن هناك من الناحية التطبيقية بعض الأمثلة التي يَرُدّها سيبويه كما يردها النحاة، وذلك لما تتصف به من الاستحالة، وأشهر الأمثلة التي ترددت في كتب النحوقولهم: (لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلْك) .
أول من ذكر هذا المثال ورده سيبويه، قال:
(فإن قلت: لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلْك فهو قبيح إنْ جزمت، وليس وجه كلام الناس لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله) [6] .
فالتقدير الذي يقدره سيبويه هو: إنْ لا تَدْنُ مِنْ الأَسدِ يَأكُلْك وهذا مخالف لطبيعة الكلام.
(1) الجرجاني، المقتصد 1069.
(2) الزمخشري، المفصل 253.
(3) ابن يعيش، شرح المفصل 7: 49 - 50.
(4) الرضى، شرح الكافية 2: 267.
(5) م. ن.، ص. ن.
(6) سيبويه، الكتاب 3: 97.