فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 272

جاز لنا أن نترجم (ائتني) إلى معناها أو إلى بنيتها العميقة نقول: (افْعَلْ الإتيان) ، فإذا تضمنت الشرط فإنها ستكون (إن تفعل، الإتيان) ، فـ (افْعَلْ) هي الصيغة، والإتيان هو (الحدث) .

أما النقطة الثالثة فلعلها تجلوالغموض عن سر الاختلاف، ذلك أنه يبدوأن النحاة يتكلمون عن فهم آخر للتركيب، ويحدث هذا الفهم حينما يكون الانطلاق من نص مكتوب لا من لغة مسموعة، فالخليل يبدوأنه كان يتحدث وذهنه قريب جدا من اللغة المسموعة فأحس وهو يسمع التركيب - بما يصاحبه من تنغيم وترابط - أنه أما تركيب شرطي جزائي، أما النحاة فيما بعد فهم نظروا إلى الجمل الطلبية كما ينظرون إليها في غير هذا التركيب أعني أنهم يعمدون لشيء من التوقف بعد نطق الجملة وإن يكن توقفا بسيطا، ولكن من شأنه أن يجعل ما بعده من قبيل الكلام الجديد الذي لا يكون من وظيفته إلا تأكيد الجملة السابقة. مثال ذلك: ائتني، آتك.

ولاشك أن تنغيم هذا الكلام سيختلف عن تنغيم جملة الخليل (ائتني آتك) . المهم أن النحاة يتحدثون عن جملتين بينما يتحدث الخليل عن جملة واحدة.

وهذا هو السر في وجود الفاء في تقديرهم، فأصل الجملتين: ائتني، فإنْ تأتِني آتِك.

ولولا هذا الفهم الجديد لما جاز أن يقول ابن يعيش بأن الجمل الطلبية تامة لا تحتاج إلى جواب، فهذا القول لا ينطبق على التركيب الذي درسه الخليل، فتلك الجمل الطلبية تفقد في التركيب استقلالها كما تفقده جملة الجواب.

فإذا كان الأمر على ما بينا، فكيف غاب عن أذهانهم ما جاء به سيبويه، ولماذا دفعوه؟

ولسنا نجد سببا وراء ذلك غير ما انطبع في أذهان النحاة من صورة الجملة الشرطية، فهم لا يعرفون جملة ذات دلالة شرطية غير ما جاء مماثلا لصورة الجملة الشرطية الأساسية، فإذا اختلت الصورة أعيد لها التوازن. فإذا جاءت العبارة الشرطية قدرت العبارة الحوابية تقديرا واعتبرت محذوفة وإذا جاءت العبارة الجوابية قدرت العبارة الشرطية. ولسنا نزعم هنا أن النحاة مخطئون في اعتبارهم العبارة الشرطية محذوفة في هذه التراكيب، وإنما الخطأ في دفع الفهم الآخر.

والغريب أن النحاة فاتهم أن يتحدثوا عن (الفاء) التي يجلبونها مع العبارة الشرطية كما فاتهم استثمارها بتأييد آرائهم.

وينشأ عن فهم النحاة للتركيب ذلك الفهم الذي ذكرناه سؤال، وهو لماذا حذفت العبارة الشرطية؟ والإجابة على ذلك قد تقدمت في النص المنقول عن ابن السراج [1] . وهي: وجود ما يدل عليه في الكلام.

وتقتضي الدلالة عندهم أن يكون ثمة تطابق بين الدال والمدلول، أي بين الظاهر والمضمر، وهذه قضية خلافية، منشؤها هو هذا النزوع المنطقي.

(1) انظر ص 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت