ويقرر ابن يعيش أن جواب الأمر وما شابهه هو جواب الشرط المحذوف في الحقيقة لأن الجمل الطلبية (غير مفتقرة إلى الجواب والكلام بها تام، فأنت إذا أمرت فإنما تطلب من المأمور فعلا وكذلك النهي وهذا لا يقتضي جوابا لأنك لا تريد وقوف وجود غيره على وجوده، ولكن متى أتيت بجواب كان على هذا الطريق فإذا قلت في الأمر ائتني أكرمك ن وأحسي إلى أشكرك فتقديره بعد قولك ائتني إن تأتني أكرمك كأنك ضمنت الإكرام عند وجود الإتيان ووعدت بإيجاد الإكرام عند وجود الإتيان وليس ذلك ضمانا مطلقا ولا وعدا واجبا إنما معناه إن لم يوجد لم يجب وهذه طريقة الشرط والجزاء [1] .
وعرض الرضى لهذا الخلاف الذي تكلمنا عليه سابقا بين أقوال النحاة، فذكر قول الخيل وقول النحاة، مرجحا قول الخليل ومدللا على ذلك بدليل منطقي لا لغوي، يقول الرضى: (وانجزام الجزاء بهذه الأشياء لا بإن مقدرة ظاهر مذهب الخليل لأنه قال إنَّ هذه الأوائل كلها فيها معنى إنْ فلذلك انجزم الجواب. ومذهب غيره أنَّ إنْ مع الشرط مقدرة بعدها وهي دالة على ذلك المقدر ولعل ذلك لاستنكارهم اسناد الجزم إلى الفعل وليس ما استبعدوه ببعيد، لأنه إذا جاز أن ينجزم الاسم المتضمن معنى إنْ فعلين فما المانع من جزم الفعل المتضمن معناها فعلا واحدا) [2] .
ولا شك أن حجة الرضى قوية من حيث الناحية المنطقية، ولكنها مبنية أساسا على مقدمة غير جيدة، ونقصد بها التعليل الذي يقدمه الرضى تفسيرا لإجماع النحاة على تقدير (شرط) بين الجمل الطلبية و (الجواب) . وليس الأمر كذلك فقد تبين من العرض السابق وجهات نظرهم، فقد نقلنا بعض النصوص التي تبين ذلك، ويمكن أن نلخص هنا الأسباب التي ذكرت:
1)يتحقق فعل الجواب بعد تحقق فعل آخر، وليس هذا في الأمر والاستفهام، وإنما يبينه (الشرط) .
2)القول بتضمن الطلب (للشرط) يقتضي التقدير: إنْ أطلب كذا (ائتني إن آمرك بالإتيان) .
3)الجمل الطلبية غير مفتقرة للجواب والكلام تام.
وسنناقش فيما يلي هذه الأفكار:
تمثل النقطة الأولى سوء فهم لرأي الخليل، فهم لم يدركوا تماما ما يقصده بتضمن معنى (إنْ) ، فهو لا يزعم أنها تتضمن هذا المعنى أصالة وفي حالة انفرادها، وإنما تضمنت ذلك في التركيب، وحينما ينظر إليها مع الجواب، وليس بمعزل عنه. ثم إنَّ التركيب يفيد أنَّ تحقق مضمون الطلب هو مشروط، أي أن تحقق مضمون الجواب مرتبط بتحقق مضمون الطلب.
وتمثل النقطة الثانية سوء فهم للطلب، وذلك حينما يفهم أن (ائتني) تساوي آمرك بالإتيان، وليس الأمر كذلك فـ (ائتني) لا تعني غير (ائتني) ، أما آمرك بالإتيان فهي جملة خبرية تؤدي المعنى بطريقة بنائية أخرى، وإذا
(1) ابن يعيش، شرح المفصل 7: 47.
(2) الرضى، شرح الكافية 2: 26 - 266.