فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 272

لا تَجْزَعِي إنْ مُنْفِسًا أَهْلَكْتُه وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعي

وقد زعموا أنّض قول الشاعر:

أَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتاها حِمَامُها فَهَلاَّ عَنْ الَّتي بَيْنَ جَنْبَيْكَ تَدْفَعُ

لا ينشد إلا رفعا وقد سقط الفعل على شيءٍ من سببه، وهذا قد ابتديءَ بعد (إنْ) وإنْ شئت جعلته رفعا بفعل مضمر) [1] .

ونجد العكبري ينسب القول بالابتداءِ إلى الكوفيين وهذا ما يفهم من قوله:

(( وإنء امْرأة) : وامرأة مرفوع بفعل محذوف، أي وإنْ خافت امْرأةٌ، واستغنى عنه بخافت المذكور.

وقال الكوفيون: هو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا عندنا خطأ، لأن حرف الشرط لا معنى له في الاسم فهو مناقض للفعل، ولذلك جاءَ الفعل بعد الاسم مجزوما في قول عدي:

وَمَتَى واغِلٌ يَنُبْهُم يُحَيّوه وَتُعْطَفْ عَلَيْه كَأسُ السَّاقي) [2]

فهل تأثر بأُستاذه الأنباري الذي ينسب إلى الكوفيين إعراب الاسم بعد إذا لأنه مرفوع بالابتداء؟ [3] .

يستند النحاة في عدم جواز الفصل بين الأداة والفعل إلى حجة من خارج اللغة، إذ يعتمدون على فرض مسبق، وهذا الفرض هو ولاية العامل للمعمول وبشكل أدق - فيما يتعلق بقضيتنا - ولاية الجازم للمجزوم. والمنطلق الوحيد الذي ينطلقون منه هو العمل. من أجل ذلك رأيناهم يقيسون الشرط على تراكيب أخرى كالنفي (بلم) بسبب ما يلاحظ من اشتراك في الإعراب ن منذ كان الإعراب عندهم ظاهرة لفظية فقط. كل ذلك جعلهم يميلون عن جادة الصواب، وذلك أن المنهج العلمي يقتضي أن تعتمد إجازة تركيب ما وعدمه على الاحتكام إلى اللغة نفسها ويتم ذلك بالوسائل العلمية من استقراء وإحصاء وملاحظة دقيقة.

ويمكن أن نلاحظ معهم أن النفي بـ (لم) لم يرد في اللغة أمثلة على فصلها عن الفعل ولكن ذلك لا يعطينا قاعدة شمولية تقول: لا يفصل الجازم عن المجزوم بله العامل عن المعمول، ولكنا نستطيع القول بأنه لا يفصل بين (لم) والفعل.

وهذا الجانب اللفظي من الاعراب وهو الجزم ليس كافيا لعقد نسب بين تركيبين مختلفين.

وهذا لا يدفع أن الملاحظ أن أداة الشرط يليها الفعل في الأغلب، وأن هذا هو الشائع، ولكن هذا لا يمنع وجود تراكيب يلي الأداة فيها الاسم. ولا ينبغي اعتبار هذه التراكيب شاذة أو منحرفة تحتاج إلى إصلاح سواء أكان هذا الاصلاح ذهنيا أو عمليا، بل تغييرات أوجبتها ملابسات، وأسباب خاصة.

(1) الأخفش، معاني القرآن 217 - 218.

(2) العكبري، التبيان 1: 395.

(3) الأنباري، الإنصاف 2: 620.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت