فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 272

وما وجدناه عند سيبويه من احكام يطلقها على التراكيب التي فيها فصل بين الأداة والفعل من مثل: قبيع، وضعيف وقوي، فهذه ألفاظ ليست ذات محتوى دقيق. وهي أيضا تتناول الجانب الشكلي من القضية فالقبيح والضعيف هو ما ابتعد عن التركيب الأساسي من حيث الشكل، أما من حيث المعنى فلا نجد التفاتا إليه، رغم أن أبرز سمة من سمات اللغة هذا الإئتلاف الشديد بين اللفظ والمعنى. وعلى ذلك يجب أن يكون الحكم مؤسسا على الشكل والمعنى معا. فإذا وجدنا أن التغير في التركيب يتبعه تغير في المعنى دون إخلال بالوظيفة التي يؤديها المقول كان التغيير مثمرا.

ولم يسأل النحويون أنفسهم لِمَ حدث هذا التغيير؟ ونضرب مثالا على كيفية مواجهتهم للنصوص، ففي الآية (وإنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكينَ اسْتَجَارَكَ فَأجره) [التوبة 6] لم يحاولوا تلمس الفرق بين التركيبين، التركيب المذكور والتركيب: وإنْ اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكينَ، فعند تأمل التركيبين نجد الأول له دلالة واحدة، والثاني يمكن أن يكون له دلالتان الدلالة الأولى هي دلالة التركيب الأول إلى حدٍّ ما، وهي استجارك مشرك، والدلالة الثانية هي: إنْ طلب أحد من الناس أن تجيره من المشركين. ولا نريد أن ننكر ما للسياق من أثر في تحديد المعنى، ولكن نرى أيضا أن للتقديم هنا فائدة. وقد لا تكون هذه الدلالة هي فقط كل ما هناك، فقد نجد بالتأمل أسبابا أخرى لعل من ذلك أن تقديم الفاعل يعطيه نوعا من الأولوية في التصوير الذهني، وخاصة أن الموضوع يدور حول العلاقة بالمشركين وليس همه الكلام على الاستجاره.

وما دام الفصل بين الأداة والفعل بالاسم مرفوضا فإن الأمثلة التي وردت احتاجت إلى تخريج، فعمد سيبويه ومن معه من البصريين إلى التقدير، تقدير فعل مضمر ولهذا يعود التركيب كما كان ولوفي الذهن وتسلم القاعدة بلي أعناق النص. وقال الكوفيون بأن الاسم المرفوع فاعل للفعل الذي بعده. ولكن القول بهذا يثير كثيرا من المشاكل عند البصريين، منها الفصل بين الجازم والمجزوم، ومنها أنهم لا يجيزون تقدم الفاعل على الفعل [1] ، لأنه لوتقدم صعب عليهم التمييز بين الفاعل والمبتدأ، ذلك أن الجملة المبدوءة باسم هي عندهم جملة إسمية مكونة من مبتدأ وخبر، أي أن:

جاءَ مُحمّدٌ، مُحمّدٌ جاءَ

(1) تكلم المبرد على هذه القضية كلاما مفصلا يرد به ضمنا على الكوفيين الذين لا يرون بأسا في تقدم الفاعل، وخلاصة قوله أنه في الجملة (عبد الله قام) يرتفع عبد الله بالابتداء، أما إعرابه فاعلا فمحال من جهات: إحداها أن (قام) فعل ولا يرفع الفعل فاعلين إلا بالعطف. وكيف يرفع عبد الله وضميره، إذا جعلت مكان الضمير اسما ظاهرا نحو: عبد الله قام أخوه، تبين أن الضمير مكان (أخوه) ، إذا قلت رأيت عبد الله قام زال الابتداء وبقي الضمير، وتقول عبد الله هل قام؟ ومحال أن يعمل ما بعد (هل) بما قبلها، وتقول: ذهب أخواك، وأخواك ذهبا، ولوكان الفعل واحدا في الحالين لكان موحدا.

انظر: المبرد، المقتضب 4: 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت