ولا نجد سببا لذلك إلا إهمال مستوى الاستخدام، وأنَّهم لم يلتفتوا إلى شواهد سيبويه، فقُصر حديثهم على الكلام، وليس هذا بالأمر الغريب وهم يناقشون ذلك غالبا انطلاقا من نص القرآن.
أما بالنسبة للحالة الإعرابية للاسم، فإن سيبويه لم يلتفت إلا إلى حالة واحدة وهي حالة الرفع، اما من جاءَ بعده فقد رأينا أنهم يولون ذلك اهتمامهم، فقد ناقشوا تقديم الاسم المنصوب والمجرور كما تبين فيما نقلناه.
ولم ينته الخلاف عند هذا الحد وإنما استمر في محاولاتهم لإعراب الاسم المرفوع بعد الأداة، فالاسم المرفوع لابد له من رافع. فما هو؟
ذهبوا في تخريجهم إلى ثلاثة مذاهب.
الأول: قول سيبويه: (واعلم أن قولهم في الشعر: إنْ زَيْدٌ يَأتِكَ يَكُنْ كَذا، إنَّما ارتفع على فعل هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إنْ زَيْدًا رأيته يكن ذلك، لأنه لا تبدأ بعدها الأسماء ثم يبني عليها) [1] .
إذن هو فاعل لفعل مضمر، وقد اشتهر هذا الرأي وتابعه جمهور النحويين من بعده [2] ، فكثيرًا ما نصادف هذه الفكرة مصوغة على النحوالتالي: ولابد أن يليها الفعل مظهرًا أو مضمرًا، وذلك في الحديث عن (إنْ) أو (لو) [3] .
الثاني: قول الفراء، نجد أن المصادر تنسب إليه وإلى الكوفيين [4] القول بأن الاسم المرفوع بعد الأداة هو فاعل الفعل المظهر، وقد نقلنا آنفا نصا من معاني القرآن يفهم منه القول بذلك [5] ، وإنْ يكن النص غير صريح الدلالة، ولكن الفراء أيضا لم يكن ممن ذكروا رفع الاسم بفعل مضمر.
الثالث: قول الأخفش، وهو ما اشتهر من إعرابه الاسم المرفوع بعد الأداة مبتدأ [6] ، ولكن ما نجده في كتابه (معاني القرآن) يثبت أمرين: الأول، أنه يذكر إعرابين الأول الابتداء والثاني كونه فاعلا لفعل مضمر، الأمر الثاني ترجيحه للإعراب الثاني ووصفه بأنه أقيس الوجهين، وفيما يلي نص الأخفش:
(وقال(وإنء أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكينَ اسْتَجارَكَ) [التوبة 6] فابتدأ بعد (إنْ) ، وأنْ يكون رفع (أَحدا) على فعل مضمر أقيس الوجهين، لأن حروف المجازاة لا يبتدأ بعدها إلا أنهم قد قالوا ذلك في (إنْ) لتمكنها، وحسنها إذا وليتها الأسماء وليس بعدها فعل مجزوم في اللفظ، كما قال:
عاوِدْ هَراهَ وإنْ مَعْمورُها خَرِبا
وقال:
(1) سيبويه، الكتاب 3: 113 - 114.
(2) ذكرنا من تابع سيبويه في دراستنا لولاية الفعل للأداة وذلك في ص 317.
(3) انظر مثال ذلك القيسي، مشكل إعراب القرآن 1: 66.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 111 هـ (1) ، الأنباري، الإنصاف 2: 615.
(5) انظر ص 320 أومعاني القرآن للفراء 1: 422.
(6) انظر في نسبة ذلك إليه الإنصاف للأنباري 2: 616.