(وهذا لاذي يذكره الفراء مخالف لمعنى الكلام، وما يجب من ترتيبه وللاستعمال، وذلك أن كل شيء يكون سببا لشيء أو علة له فينبغي أن تقدم فيه العلة على المعلول، فإذا قلت: إنْ تَأتِنِي أُعطِك دِرْهَمًا، فالأتيان سبب للعطية، به يستوجبها، فينبغي أن يتقدم، وكذلك إذا قلت: إنْ تَعْصِ الله تَدْخُلْ النَّارَ، فالعصيان سبب لدخول النار فينبغي أنْ يتقدم، فأما قولهم: أَجيئك أنْ جئتني، لأنَّك إنْ تأتِني، فالذي عندنا، أن هذا الجواب محذوف كفى عنه الفعل المقدم) [1] .
ثم يبين ابن السراج أن للتركيب الذي تكون الأداة فيه متوسطة استخدامين، يقول:
(وإنما يستعمل هذا على جهتين: إما أن يضطر إليه الشاعر فيقدم الجزاء للضرورة وحقه التأخير، وإما أن يذكر الجزاء بغير شروط ولا نية فيه، فيقول، أجيئك فيعدك بذلك على كل حال ثم يبدوله ألايجيئك بسبب فيقول: إنْ جِئتَنِي، ويستغنى عن الجواب بما قدم، فشبه الاستثناء) [2] .
وهذه ملاحظة ذكية أرجوأن نستفيد منها فيما بعد ونحن نعلق على هذه القضية.
ولا نجد بعد ذلك شيئا جديدًا فكل من ذكر القضية يضعها في إطارها الذي وضعت فيه من قبل [3] .
إنَّ الخلاف الذي دار بين البصريين والكوفيين في حال توسط الأداة حول ماهية الكلام السابق عليها ليس خلافا حول تركيب واحد، وإنما هو خلاف ناتج عن اختلاف في التركيب موضوع الجدل، فيبدوأم كل مدرسة تتحدث عن تركيب يختلف عن التركيب الذي تتحدث عنه المدرسة الأُخرى.
التركيب الذي يدور كلام البصريين عليه هو تركيب الجملة الشرطية الجزائية، مثال ذلك: إنْ يَدْرُسْ زَيْدٌ يَنْجَحْ.
إذا نظرنا إلى هذه الجملة وجدناها مركبة من عبارتين:
-إنْ يَدْرُسْ زَيْدٌ (عبارة شرطية) .
-يَنْجَحْ (عبارة جوابية) .
ولا تعبر إحداهما عن معنى كامل في حال انفرادها.
(1) ابن السراج، أصول النحو 2: 195 - 196.
(2) ابن السراج، أصول النحو 2: 196.
(3) انظر: القيسي، مشكل إعراب القرآن 2: 396 (وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط) . الجرجاني، المقتصد 1065 (لأن مرتبة الجزاء بعد مرتبة الشرط) . ابن يعيش، شرح المفصل 9: 7 (لأن الجزاء لا يتقدم على ما ذكرنا، فإن رفعت وقلت آتيك إن أتيتني جاز ولم يكن ما تقدم جوابا وإنما هوكلام مستقل عقب بالشرط) ، ابن مالك، التسهيل 238 (فإن تقدم عليها شبيه بالجواب معنى فهودليل عليه، وليس إياه، خلافا للكوفيين، والمبرد، وأبي زيد) ، وقد تبين من آراء المبرد التي عرضناها أنه يعتبره سادا مسد الجواب وليس الجواب نفسه، الرضى، شرح الكافية 2: 256 - 258 وفيه تركيز على الخلاف بين الكوفيين والبصريين على ما في الإنصاف للأنباري 2: 623، أبوحيان، ارتشاف الضرب 811 وفيه ذكر لبعض الآراء الفرعية، وأخذ عنه السيوطي في همع الهوامع 2: 61 - 62.