والثاني: الأمر المتحقق الوقوع نحو:
زَيْدٌ وإنْ كَانَ غَنِيَّا إلاَّ أَنَّه بَخِيل.
أما غير (كان) من الأفعال الماضية فقد يستخدم في متحقق الوقوع غير أنه قليل بالنسبة لاستخدام (كان) [1] .
ونأتي الآن إلى مناقشة قيمة عقدها ابن القيم في كتابة (بدائع الفوائد) ناقش بها المقولة النحوية التي تذهب إلى أن الزمن في الجملة الشرطية لابد أن يكون في المستقبل، قال ابن القيم [2] :
(المشهور أن الشرط والجزاء لا يتعلقان إلا بالمستقبل فإن كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى كقولك إن مت على الإسلام دخلت الجنة ثم للنحاة فيه تقديران:
أحدهما: أن الفعل ذو تغيير في اللفظ وكان الأصل إنْ تَمِتْ مُسْلِمًا تَدْخُلْ الجَنَّة فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلا له منزلة المحقق
والثاني: أنه ذو تغيير في المعنى وأن حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى الاستقبال وبقي لفظه على حاله.
والتقدير الأول أفقه في العربية لموافقته تصرف العرب في إقامتها الماضي مقام المستقبل وتنزيلها المنتظر منزلة الواقع المتيقن نحو (أَتَى أَمْرُ الله) [النحل 1] ، (ونُفِخَ فِي الصُورِ) [الكهف 99] ، ونظائره.
فإذا تقرر ذلك في الفعل المجرد فليفهم مثله المقارن لأداة الشرط وأيضا فإن تغيير الألفاظ أسهل عليهم من تغيير المعاني لأنهم يتلاعبون في الألفاظ مع محافظتهم على المعنى وأيضا فإنهم إذا أعربوا الشرط أتوا بأداته ثم اتبعوها فعله يتلوه الجزاء، فإذا أتوا بالأداة جاءوا بعدها بالفعل، وكان حقه أن يكون مستقبلا لفظا ومعنى فعدلوا عن لفظ المستقبل إلى الماضي لِمَا ذكرنا فعدلوا عن صيغة إلى صيغة وعلى التقدير الثاني كأنهم وضعوا فعل الشرط بالجزاء أولا ماضيين ثم أدخلوا عليهما الأداة فانقلبا مستقبلين والترتيب والقصد يأبي ذلك فتأمله) [3] .
ثم ناقش ابن القيم القضية الخلافية التي كانت بين المبرد وابن السرج، وقد دارت على دلالة (كان) الزمنية، وأبرز مثال على ذلك الآية (إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه) [المائدة 116] ذكر ابن القيم أن الأداة دخلت على ماضي اللفظ، وإنه من حيث المعنى المعنى ماض قطعا، لأن عيسى إما أن يكون قال ذلك بعد رفعه إلى السماء أو حكاية قوله يوم القيامة، وعلى الحالين فزمن الفعلين في الجملة ماض، وقد أخطأ من فهم أن القول وقع في الدنيا قبل الرفع وأول الأية على ذلك بإن أن أَكُنْ أَقُولُ هذا فإنَّكَ تَعْلَمُه، فهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب جاء بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين قومه وهم لم يتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه، فلا
(1) الرضى، شرح الكافية 2: 264.
(2) يرجع الفضل في تنبيهنا إلى جهود ابن القيم النحوية إلى طاهر سليمان حمودة الذي كتب كتابا عن ابن القيم هو: ابن قيم الجوزية: جهوده في الدرس اللغوي (دار الجامعات المصرية: الاسكندرية 1976 م) ص 131 - 146
(3) ابن القيم، بدائع الفوائد 1: 44 - 45.