يجوز تحريف الآية انتصارا لقاعدة نحوية، أما مذهب ابن السراج القاضي بتأويلها كالآتي: إنْ ثَبَتَ [1] في المُسْتَقْبَلِ أَنِي قُلْتُه في الْمَاضِي يَثْبُتْ أَنَّكَ عَلِمْتَه، وكل شيء تكرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل، وهذا القول ضعيف ولا يدل عليه اللفظ [2] .
ثم يضرب أمثلة يبين بها فساد مقولة النحويين يقول ابن القيم:
(وليت شعري ما يصنعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إِنْ كُنْتِ أَلْمْمَتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِري اللهَ وَتُوبِي إِليه) هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل؟! أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا، واما الثاني فلا يخفى وجه التعسف فيه وانه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إنْ كَانَ صَدَرَ مِنْك ذَنْبٌ فِمَا مَضَى فَاسْتَقْبِليه بالتوبة. لم يرد إلا هذا الكلام) [3] .
ثم يقدم ابن القيم تصوره الخاص للقضية، يقول: (وإذا ظهر فساد الجوابين [4] فالصواب أن يقال: جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصوده ومضمنه جواب سائل هل وقع كذا أورد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك؟ فيقول إنْ كُنْتُ قَدْ أَعْتَقْتُه فَقَدْ أَعْتَقَه الله فما للاستقبال هنا معنىً قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إنْ كُنْتُ صَحِبْتَه فَقَدْ أَصَبْتَ بِصُحْبَتِه خَيْرًا. وكذلك إذا قلت لفلان كذا وهو معلم أنه علم بقوله له فيقول: إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه.
فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب، ويصح التعليق الخبري لا الوعدي، فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال واما التعليق الخبري فلا يستلزمه.
ومن هذا الباب قوله تعالي (إنْ كَانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهو مِنَ الكَاذِبين وإنْ كَانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهو مِن الصَّادِقين) [يوسف 26] ، وتقول إنْ كَانَتْ البَيِّنَةُ شَهِدَتْ بِكَذَا وكَذَا فَقَدْ صَدَقَتْ) [5] .
وهكذا رأينا ابن القيم من خلال ما نقلناه وما اقتبسناه من أقواله قد دلل على فساد المقولة النحوية، وكيف لم يلهه ما شجر بين المبرد وابن السراج من خلاف عن تبين الخطأ في قولهما معا، ثم كيف خرج إلينا بنظرية
(1) هكذا في النص ولعل صحتها (يثبت) .
(2) ابن القيم، بدائع الفوائد 1: 45.
(3) ابن القيم، بدائع الفوائد 1: 45.
(4) يقصد بالجوابين القول بتغير اللفظ أوبتغير المعنى.
(5) ابن القيم، بدائع الفوائد 1: 45 - 46.