فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 272

ما بعدها من الماضي في معنى المستقبل) [1] فالأفعال من حيث المعنى مضارعة ولذا فهي في محل جزم وإنْ لم يظهر عليها الإعراب، يقول المبرد:

(وقد يجوز أن تقع الأفعال الماضية في الجزاء على معنى المستقبلة، لأن الشرط لا يقع إلا على فعل لم يقع. فتكون مواضعها مجزومة وإنْ لم يتبين فيها الإعراب) [2] .

ويحاول المبرد أن يجد علة لتغير الأفعال من المضي إلى الاستقبال فقال: (فإن قال قائل فكيف أزالت الحروف هذه الأفعال عن مواضعها وإنَّما هي لما مضى في الأصل؟

قيل له: الحروف تفعل ذلك لما تدخل له من المعاني، ألا ترى أنك تقول: زَيْدٌ يَذْهَبْ يا فتى فيكون لغير الماضي. فإنْ قلت: لَمْ يَذْهَبْ زَيْدٌ كان بـ (لم) نفيا لما مضى، وصار معناه: لَمْ يَذْهَبْ زَيْدٌ أمْس، واستحال لَمْ يَذْهَبْ زَيْدٌ غَدًا) [3] .

وصورة أُخرى تثير إشكالا عند النحاة، وذلك نحو:

(إن كُنْتَ زُرْتَنِي أمْسِ أكْرَمْتُكَ اليَوْم)

فرغم أنَّ كان كما يقول الفراء (إنما خلقت للماضي إلا في الجزاء فإنَّها تصلح للمستقبل) [4] ، رغم ذلك نجدها في هذه الجملة ماضية اللفظ والمعنى وهذا هو الإشكال الذي طرحه المبرد وحاول حله، قال:

(مما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إنْ كُنْتَ زُرْتَنِي أمس أَكْرَمْتُكَ اليَوْم، فقد صار ما بعد(إنْ) يقع في معنى الماضي فيقال للسائل عن هذا: ليس هذا من قبل (إنْ) ولكن لقوة كان. وأنها أصل الأفعال وعبارتها جاز أن تقلب (إنْ) فتقول (إنْ كُنْتَ أَعْطَيْتَنِي فَسَوفَ أُكَافِيك، فَلا يكون ذلك إلا ماضيا، كقول الله عزَّ وجلَّ:(إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه) والدليل على أنه كما قلت، وأنَّ هذا لقوة (كان) أنه ليس شيء من الأفعال يقع بعد (إنْ) غير (كان) إلا ومعناه الاستقبال لاتقول: إنْ جِئْتَنِي أمْسِ أكْرَمْتُكَ اليَوم) [5] .

وانبرى ابن السراج يرد قول المبرد فقال:

(وهذا الذي قاله أبوالعباس - رحمه الله - لست أقوله، ولا يجوز أن تكون(إنْ) تخلومن الفعل المستقبل لأنَّ الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل وهذا الذي قال عندي نقض لأُصول الكلام. فالتأويل عندي لقوله: إنْ كُنْتَ زُرْتَنِي أمْسِ أكْرَمْتُكَ اليَوم، إنْ تَكُنْ كُنْتَ مِمَّن زَارَنِي أَمْسَ أكْرَمْتُكَ اليَوم: وإنْ كُنْتَ زُرْتَنِي أمْسِ زُرْتُكَ اليَوم، فدلت (كُنْتَ) على (تَكُنْ) وكذلك قوله عز وجل: (إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه) [المائدة 116] أي إنْ أكُنْ كُنْتُ أو:

(1) ذكر ذلك ابن السراج في قول نسبه إلى سيبويه انظر أصول النحو 2: 199.

(2) المبرد، المقتضب 2: 50.

(3) م. ن.، ص. ن.

(4) الفراء، معاني القرآن 1: 180.

(5) ابن السراج، أصول النحو 2: 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت