فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 286

التوكل: كلة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته، وهو من أصعب منازل العامة عليهم. وأوهى السبل عند الخاصة. لأن الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه. وأيأس العالم من ملك شيء منها.

ثم قاا رحمه الله تعالي:

و الوكالة يراد بها أمران. أحدهما: التوكيل. وهو الاستنابة والتفويض. والثاني: التوكل. وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل. وهذا من الجانبين. فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه. والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه.

فأما وكالة الرب عبده، ففي قوله تعالى"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين"قال قتادة: وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم-يعني قبل هذه الآية- وقال أبو رجاء العطاردي: معناه إن يكفر بها أهل الأرض، فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة. وقال ابن عباس و مجاهد: هم الأنصار أهل المدينة.

والصواب: أن المراد من قام بها إيمانًا، ودعوة وجهادًا ونصرة. فهؤلاء هم الذين وكلهم الله بها.

فإن قلت: فهل يصح أن يقال: إن أحدًا وكيل الله؟

قلت: لا. فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة. والله عز وجل لا نائب له، ولا يخلفه أحد، بل هو الذي يخلف عبده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم"اللهم أنت الصاحب في السفر. والخليفة في الأهل". على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه، ورعايته والقيام به.

وأما توكيل العبد ربه: فهو تفويضه إليه، وعزل نفسه عن التصرف، وإثباته لأهله ووليه. ولهذا قيل في التوكل: إنه عزل النفس عن الربوبية، وقيامها بالعبودية. وهذا معنى كون الرب وكيل عبده. أي كافيه. والقائم بأموره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت