"ما لا يتعلق به أمر": خرج ما تعلق به أمر, وهو الواجب والمندوب ,"ولا نهي": خرج ما يتعلق به نهي, وما هو الذى تعلق به النهى؟ ... المحرم والمكروه , إذا خرجت الأنواع الأربعة ماذا بقى؟ الخامس لكن قوله:"لذاته": أراد به أن المباح على نوعين: ـ مباح باق على أصل إباحته , وهذا الذي عناه الناظم وغيره في هذا الموضع: مباح باق على أصله , على وصف الإباحة , النوع الثاني لم يبق على أصله , بل خرج يعنى فصار مأمورا به أو منهيا عنه , وذلك هو المباح الذى صار وسيلة لأمر أو نهي. المباح قد يكون وسيلة لمأمور به , وقد يكون وسيلة إلى منهي عنه سواء هذا أو ذاك , صار المباح قد نقل عن أصله وهو وصف الإباحة إلى ما صار وسيلة إليه , فإن كان المباح وسيلة إلى واجب , صار المباح واجبا , لأن الوسائل لها أحكام المقاصد , ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , ما كان من المباح وسيلة إلى المندوب , صار هذا المباح مندوبا , لماذا؟ ... لأنه وإن كان في الأصل مباحا إلا أنه لما صار وسيلة إلى مندوب أخذ حكمه , وإذا كان المباح وسيلة إلى منهي عنه محرما , صار المباح محرما , وإذا كان وسيلة لمنهي عنه لا على جهة التحريم وإنما الكراهة التنزيهية , صار المباح ماذا؟ منهيا عنه , يعنى مكروها - حينئذ - وصف الإباحة قبل أن يكون هذا المباح وسيلة لمأمور به أو منهي عنه قد زال وانتقل من وصف الإباحة إلى وصف الإ يجاب أو الندب أو التحريم أو الكراهة، قوله:"لذاته": أخرج هذا النوع وهو المبا ح الذى لم يبق على وصف الإباحة بأن صار وسيلة إلى مأمور به أو منهي عنه وهذا ما يعنون له بالقاعدة العامة عند الأصولين وغيرهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأحسن من هذه العبارة كما ذكره الفتوحي وغيره: (ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به) فيشمل ماذا؟ الواجب والمندوب وهو الذى يعنون له بالقاعدة الفقهية: (الأمور بمقاصدها) أو (الوسائل لها أحكام المقاصد) لكن انتبه إلى أمر لا بد من التنبيه عليه , وهو أن بعضهم يظن أن ما كان وسيلة من المباح إلى عبادة انقلب المباح بذاته , فصار عبادة , وينقلون أقوال لبعض السلف , أحتسب نومتي وقومتي , إلى آخره لأن النوم صار عبادة , وأن شرب الماء بنفسه صار عبادة , لا ليس كذلك , العبادات توقيفية , لابد أن يكون الشيء مأمورا به ابتداء , فالعبادات محصورة قولية كانت أو عملية , والنوم يبقى على أصله أنه مباح , إن اتخذه وسيلة إلى ترك واجب , كالنوم عن الصلاة عمدا مثلا , صار هذا النوم محرما , يعاقب على ماذا؟ على فعل النوم أو على نيته؟ إن قلنا بما سبق بأن النوم انقلب في نفسه صار محرما , - حينئذ - يعاقب على نفس النوم وليس الأمر كذلك , بل يعاقب على النية وإذا اتخذ هذا النوم وسيلة إلى الطاعة والعبادة يتقوى به على العبادة , - حينئذ - لا نقول النوم نفسه عبادة .. لا , وإنما يثاب على نيته , وأما النوم فهو كاسمه نوم ليس بعبادة , إذًا المباح على مرتبتين: مباح باق على أصل الإباحة، وهو الذي يعنيه الأصوليون بماذا؟ بهذه الحدود , ومباح انتقل عن وصف الإباحة فأخذ حكم ما صار وسيلة إليه , والأمثلة كثيرة ولعلها معلومة عندكم.