* قسم ثان من نوعى الواجب يجزئ ويصح وتبرأ الذمة ولو لم توجد النية, لكن ينتفى الثواب , والفعل نفسه وإن كان واجبا حينئذ لا يطالب العبد بإعادته , مَثَّل لذلك الأصوليون والفقهاء برد الودائع , رد الدين ما حكمه؟ واجب. إذا ردَ الدين، ونوى أنه ممتثل لأمر الله - تعالى- , لأن هذا وفى معه , ويريد الإحسان إليه , ووفى بوعده , حينئذ نقول: يثاب. لو رَدَ الدين خوفا من المدين هل وجدت النية؟ ... ما وجدت النية ... لماذا؟ لأن الخوف من غير الله - تعالى - في مثل هذا الموضع ليس بنية صالحة , حينئذ نقول أجزأ الفعل وهو رد الدين , وبرأت ذمة الدائن , وانتفى الثواب مع صحة العمل، وكذلك النفقة على الزوج واجبة أو لا؟ واجبة. لكن هل يشترط في صحة إسقاط الطلب، وهو وجود النفقة النية؟ الجواب:"لا"، وإنما لا تكون هذه النفقة يثاب عليها العبد إلا إذا نوى بها القربى إلى الله - تعالى - فمثل هذا النوع الثانى الذى يصح وهو واجب بدون نية، النية شرط في الثواب لا في صحة العمل.
إذًا الواجب نوعان: واجب لا يعتد به إلا بنية , وهذا ما يسمى بالعبادات المحضة كالأركان الخمسة , فلا حج إلا بنية، ولا صلاة إلا بنية , ولا زكاة إلا بنية , ولا صيام إلا بنية , فإذا انتفت النية انتفى العمل: لا يصح , فضلا عن الثواب، قسم ثاني: وهو ما يصح وتبرأ به الذمة ولو لم توجد النية كرد الديون، والودائع، والنفقة على الزوجات، ونحو ذلك. نقول: هذه الذمة برئت وأجزأ العمل , مع عدم وجود النية , لكن هل يثاب؟ الجواب:"لا"لا يثاب .... لماذا؟ لعدم النية. فلا ثواب إلا بنية مطلقا بدون تفصيل.
وليس في الواجب من نوال ... عند انتفاء قصد الامتثال
فيما له النية لا تشترط ... وغير ما ذكرته فغلط
إذًا قوله:"بالثواب في فعله": لابد من التقييد , بأن تقول بالثواب في فعله قصدا وامتثالا , فإن امتثل حينئذ أثيب على ذلك، وإن لم يمتثل: لم ينوِ القربى حينئذ لا ثواب , والنظر في صحة العمل ترجع إلى التفصيل السابق.
"فالواجب المحكوم بالثواب في فعله": يعنى إذا فعله أثابه الرب - جل وعلا - تفضلا منه لا وجوبا كما هو مذهب المعتزلة وغيرهم."والترك بالعقاب": يعنى المحكوم بالعقاب في تركه , إن تركه عوقب وهذا مما يفرق به بين الجازم وغير الجازم , قلنا إن رتب الشارع العقوبة على ترك العمل , حكمنا عليه بأنه جازم , إن رتب الشارع العقوبة على الترك حكمنا عليه , بأنه واجب.
"والترك بالعقاب": هل كل واجب إذا ترك يعاقب عليه العبد؟ لا شك .. لا. إن تركه بعذر فهو معذور, ثم إذا كان يستدرك استدرك وإلا, فإن الفعل والترك نقيده بلا عذر, لأنه إن تركه بعذر لا يترتب عليه العقاب.