ترتيب الأدلة من حيث النظر فيها وهو المقصود بحثه هنا على النحو التالي: الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس والأصل في ذلك حديث معاذ المشهور، وإن ضعفه بعضهم ولكن العمل عليه وذكر ابن قدامة في الروضة كلاما قال (يبدأ بالنظر بالإجماع) عكس ما ذكرناه سابقا أولا الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس قال ابن قدامة في الروضة (يبدأ بالنظر في الإجماع فإن وجد لم يحتج إلى غيره) لماذا لأن الإجماع نص ليس بظاهر وليس بمحتمل للنسخ، وليس به حقيقة أو مجاز لا يرد عليه أي اعتراض مما يرد على ألفاظ الكتاب والسنة هناك يمكن أن يراد مجاز إلى حقيقة هذا منسوخ وإلى آخره أما الإجماع فهو نص صريح واضح بيِّن لا يقبل التأويل، ولا يقبل النسخ (يبدأ بالنظر في الإجماع فإن وجد لم يحتج إلى غيره فإن خالفه نص من كتاب أو سنة علم أنه منسوخ فيطرح) يعني لو جد إجماع ووجد له في الظاهر مخالفا من كتاب أو سنة علمنا أنه منسوخ فالإجماع مقدم يعني الإجماع ناسخ للكتاب أو للسنة لأن الأمة لا تجتمع على الضلالة أو على خطأ - حينئذ - لو ثبت الإجماع بطريق صريح واضح بيِّن ووجد ما هو ظاهر في كتاب أو سنة أنه مخالف لهذا الإجماع قلنا الإجماع ناسخ بمعنى أنه مستند الإجماع أو مؤول إن صح أي مفروق عن ظاهره في كون غير صريح يعني بأن ندعي أنه ما ورد في الكتاب والسنة إما أنه منسوخ أو نأوله بما لا يخالف الإجماع فيعمل بالدليلين في كونه غير صريح في معارضته الإجماع لأن الإجماع قاطع لا يقبل نسخ أو تأويلا (ثم بالكتاب والسنة المتواترة ثم بخبر الآحاد ثم في صياغ النصوص) هكذا ذكره في الروضة المراد به هنا أنه يقدم الإجماع لأنه صريح فإن خالف ظاهر الكتاب أو السنة إما أنه منسوخ وإما أنه مؤول إما هذا أو ذا.
قال رحمه الله:
وقدموا من الأدلة الجلي على الخفي باعتبار العمل
وقدموا"باعتبار العمل": جار ومجرور متعلق بقوله"قدموا"والمراد بالتقديم هنا يعني حكم الأصوليين بتقديم هذه الأدلة على بعضها .. متى؟ ... عند اعتبار العمل يعني إذا وقع تعارض بالعمل بهذه النصوص، جلي وخفي والمراد بالجلي هنا المحكم، والخفي الذي في عدم وضوح للنص بمعنى أنه متشابه - حينئذ - قاعدة أهل السنة والجماعة أن المتشابه يرد إلى المحكم يعني يفسر بالمحكم بل يوافق ولا يخالفه،"وقدموا": يعني حكوا بالتقديم ما ذكر"من الأدلة": يعني عند اجتماعها وتناسي مدلولاتها الجلي الذي هو المحكم كالظاهر مع المؤول واللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي"على الخفي": يعني الذي خفي معناه رد المتشابه إلى المحكم والمحكم أصل للمتشابه باعتبار العمل"وقدموا منها": أي من هذه الأدلة عند التعارض"مفيد العلم": على مفيد الظن بمعنى إذا وقع تعارض في مسألة بين دليل خفي، ودليل جلي ولم يمكن الجمع - حينئذ - قدمنا الجلي على الخفي إن وقع تعارض بين ما يدل على اليقين وما يدل على الظن وسبق معنا أن الآحاد إذا لم تحتج فيه القرائن فهو ظني - حينئذ - إذا وقع تعارض بين دليل متواتر وبين دليل آحاد ولم يحتج بقرائن ولم يمكن الجمع من المرجحات أن يقدم ما يفيد العلم على ما يفيد الظن هذه قواعد عامة لكن عند التنزيل ينتبه إليها.