وقال قوم:"ضد ما قلناه": يعنى ضد قولنا وهو الإباحة قبل البعثة، ولذلك فسر الضد بقوله بأي:"أي"تفسيرية أصلها التحليل أي فهي على الحل لأن الله - تعالى - خلقها لا لحكمة أم لحكمة؟ ... إن قلنا بأنها لا لحكمة فهي عبث بقى ماذا؟ ... أنها لحكمة، وهي أن ينتفع بها الخلق لأن خلقها لا لحكمة عبث ولا حكمة إلا لانتفاعنا بها إذ هو خال عن المفسدة ولقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) البقرة: 29:"هو الذي خلق لكم": اللام: هذه"لام"الملك خلق لكم ما في الأرض جميعا اسم موصول بمعنى الذي فيعم كل ما في الأرض جميعا وهنا سياق امتنان والله - تعالى - لا يمتن إلا بمباح ولا يمتن بمحرم لأن المحرم ممنوع الاستعمال ممنوع الانتفاع فلا يمتن الله - تعالى - إلا بشيء مباح بشيء طاهر.
أي أَصْلُها التَّحْلِيلُ إلاَّ مَا وَرَدْ تَحْريْمُهَا في شَرْعِنَا فلا يُرَدْ
-حينئذ - ما جاء الشرع بحله فالأصل فيه أنه حلال وما جاء بتحريمه فهو محرم ما لم يرد استصحبنا الأصل إن قلنا أنه باق على ما هو عليه وهو الإباحة إذًا صار هذا القول مغايرا للقول السابق أي أَصْلُها"التَّحْلِيلُ إلاَّ مَا وَرَدْ": يعنى فهي بعد البعثة على التحليل أي مباح إن شاء المكلف انتفع بها واستعملها وإن شاء تركها لا ذم ولا مدح لفاعلها ولا لتاركها"إلاَّ مَا وَرَدْ تَحْريْمُهَا في شَرْعِنَا فلا يُرَدْ": يعنى يُتَبع ولا يرد فإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة - حينئذ - لا نحرم إلا ما حرمه الشرع كل دليل دل على ذلك يكون استثناء أو خاص بعد عام.
القول الثالث:"وقيل إنَّ الأَصْلَ فيما يَنْفَعُ جَوَازُه وما يَضُرُّ يُمْنَعُ": هذا داخل فيما سبق يعنى القول هذا لا وجود له، وإن قال به البعض نقول نفرق بين ما يكون فيه الانتفاع أو به الانتفاع وما يضر فالأصل فيما يضر أنه مُحرم والأصل فيما ينتفع به ولم يضر الإباحة، وكذلك أصحاب القول الأول القائلون بأن الأصل الإباحة لا يكون الأصل الإباحة حتى فيما يضر وإنما فيما ينتفع به، ولذلك المسألة هكذا يعنون لها الأشياء المنتفع بها أو الأعيان المنتفع بها قبل ورود السمع تُقيد المنتفع بها وأما ما يضر فلا شك أن العقل يقتضي أنه يمنع منها.
"وقيل إنَّ الأَصْلَ فيما يَنْفَعُ": يعنى فيما ينفع الأشياء النافعة الجواز جوازه.
لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) البقرة: 29 وما يضر يعنى الأشياء الضارة يمنع"لا ضرر ولا ضرار"
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين