والنظر ينقسم إلى قسمين إلى: - نظر صحيح.
-ونظر فاسد.
فالنظر الصحيح هو ما تعلق بالشيء من جهة الاستدلال به، فإذا نظرت، وكنت تريد عملًا بخشبة، وتريد أن تعمل بها سريرًا مثلًا، فمن أي وجه تنظر؟ هل تنظر في قدمها وبقائها أو في ملكها أو نحو ذلك؟ هذا النظر فاسد؛ لأنه في غير الوجه الذي ينفع، لكن إنما تنظر في ليونتها وقسوتها، وخشونتها وملوستها، واستقامتها واعوجاجها، وصلابتها وضعفها، لأن هذه هي الجهة التي تنفعك منها.
كذلك النظر لا يكون صحيحًا إلا إذا كان في الوجه الذي يؤدي إلى المقصود، فإن كان النظر في وجه لا يؤدي إلى المقصود كان نظرًا فاسدًا، وإعمال النظر يتفاوت الناس فيه بقدر ما آتاهم الله من الملكات والفهم، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، فكل إنسان مخاطب على مقتضى عقله لا على مقتضى عقول الآخرين، وما أداه إليه عقله فقد قامت الحجة به عليه، ولهذا قال: (أن يعمل النظر) ، أي: نظره هو.
و (أل) هنا نابت عن الضمير فـ (أل) تخلف الضمير كثيرًا، ومن ذلك: حكايته صلى الله عليه وسلم في حديث أم زرع: (زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب) ، معناه: مسه مس أرنب وريحه ريح زرنب، ولذلك جاز الإخبار بالمس عن الزوج، والخبر لابد أن يكون فيه رابط يربطه المبتدأ، ولو كانت (أل) هنا ليست في معنى الضمير لكان الخبر منفصلًا عن المبتدأ تمامًا.
ما علاقة المبتدأ بالخبر في قولها: (زوجي المس مس أرنب) .
لو لم تكن أل هنا بمعنى الضمير لكان الخبر منفصلًا عن المبتدأ.
فكذلك هنا (أن يمعن النظر في الدلائل) معناه: أن يمعن نظره الذي آتاه الله، ولا يجب عليه إعمال نظر الآخرين ولا تتبعهم فيما يتطرقون إليه من أنواع النظر، فكل يخاطب على قدر ما آتاه الله.