ومن هذه الشروط: أن تهون على الإنسان نفسه في طلب هذا العلم، وأن يضحي في سبيل ذلك، فإن لم يضح في سبيله وإنما أخذ منه ما تيسر ولم يوله قيمة، ولم يعتبره بأي اعتبار لم يكن ليناله، ولهذا فإن موسى عليه السلام لم ينل هذا العلم حتى خاطر وركب البحر في سفينة مخروقة، وكذلك فإن علماء هذه الأمة رحلوا في طلب العلم لمسافات شاسعة، فقد سافر جابر بن عبد الله من البصرة إلى المدينة في طلب حديث واحد، وسافر عبد الله بن أنيس رضي الله عنه من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وسافر أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد، ومن أجل هذا فإن ركوب الخطر هو أصل التضحية، فالتضحية لا تكون إلا مع الخطر عندما تعارضها المصالح، وما دامت المصالح متفقة مع ما يبذله الإنسان فإن ذلك لا يُسمى تضحية، ولا يكون مجاهدًا بسببه؛ لأنه لم يبذل جهدًا، وإنما أنفق الزائد من جهده، ومن لم يضح فمعناه أنه: لم يبذل جهدًا، وبهذا يفسد على نفسه بعض الأمور التي يهواها، ولا يُعد من المضحين المجاهدين، ومن أجل هذا قال أحد الحكماء في الأخوة: إن أخاك الحق من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدَّعك شتت فيك شمله ليجمعك فلا يكون الإنسان مضحيًا إلا إذا بذل من الجهد ما يؤدي به إلى أن يفقد بعض ما يتمناه ويهواه.