ثم من الإيمان بهذه الكتب الإيمان بأنها الصالحة وحدها، فالقرآن وحده هو الصالح للتلقي والتشريع، الصالح صلاحًا مستمرًا إلى أن يرفعه الله تعالى، وهو المرجع في كل الأمور، وإذا جاء الكلام فيه لابد أن يتوقف الإنسان عنده، وكان عمر وقافًا عند القرآن، يناقش في كل الأمور فإذا جاءت آية من كتاب الله وقف، فالقرآن هو الحاكم، ولا بد أن يستسلم له الناس، وإذا جاء فيه كلام من عند الله فلابد أن ينظر إليه الإنسان بنظرة أنه خطاب من عند الله له هو، فهو عبد لله، وهذا بيان من عند الله إليه: {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ} [إبراهيم:52] .
ومن هنا وجب أن يحب الناس هذا القرآن، ووجب أن يتدبروه وأن يتعلموه، وتدبرهم له مستويان: المستوى الأول: تدبر أهل العلم، وهم الذين يستطيعون الاستنباط والتفهم فيه، ولا يختص هذا بالعلماء، بل كل من يفهم شيئًا من العربية يمكن أن يحصل على قسط من هذا التدبر، فإذا قرأ المصحف حاول أن يتفهم في كل آية، فإذا جاءت موعظة وإذا جاءت حكمة وإذا جاء تذكير بادر إلى الإيمان بذلك وأحبه حبًا شديدًا.
المستوى الثاني من التدبر: تدبر الجهال، وهو حصول المحبة له، فمن لا يفهم العربية إذا قرأ القرآن غير ملزم بأن يتدبر شيئًا لا يفهم معناه بمعنى: التفكر في ألفاظه ومعانيه، لكنه ملزم بمحبته، أن يقول: كل من عند ربنا.
وأن يحبه حبًا شديدًا، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون، فهذا عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه عندما أتاه الموت وهو في سكرات الموت أخذ المصحف وجعل يضعه على خديه ويقبله ويقول: كلام ربي.
كتاب ربي.
من حبه للقرآن، فلابد أن يكون الإنسان محبًا له بهذا المستوى من المحبة، وهذا القدر من التدبر مشروط على كل الناس، أما التدبر في تفهم المعاني فهو مختص بمن يستطيعه.